لماذا تبدو مبررات قرارك أقوى بعد أن تتخذه
العقل خلف السلوك
تنهي مكالمة حاسمة أو تشتري شيئا كنت مترددا فيه أو ترفض عرضا ثم تلاحظ أن ذهنك
أصبح فجأة ممتازا في جمع الأسباب التي تؤكد أن ما فعلته كان منطقيا.
بعض هذه الأسباب كان موجودا من قبل، لكن بعضها لم يصبح مهما إلا بعد أن أغلق القرار باب البدائل.
هذا لا يعني أنك كذبت على نفسك أو أن كل قرار اتخذته كان اندفاعيا.
الإنسان يستطيع أن يفكر قبل الاختيار ويبحث عن أسباب حقيقية، لكنه بعد الحسم قد يعيد تقييم الخيار المختار والخيارات التي تركها بطريقة تساعده على استعادة الاتساق والثقة في قراره.
المشكلة تبدأ عندما تخلط بين سؤالين مختلفين.
ما الأسباب التي جعلتني أختار فعلا، وما الأسباب التي أستطيع الآن استخدامها للدفاع عن اختياري.
إذا لم تفصل بينهما فقد يتحول التبرير من وسيلة لفهم القرار إلى حاجز يمنعك من مراجعته عندما تظهر معلومات جديدة.
وقد يجعلك أكثر ثقة في قصة القرار من ثقتك في الأدلة التي سبقت القرار نفسه.
القرار نفسه قد يغير الطريقة التي ترى بها البدائل
قبل الاختيار تكون البدائل مفتوحة وكل واحد منها يحمل مزايا وعيوبا.
بعد الاختيار يتغير الموقف العملي.
أحد البدائل أصبح واقعك، والآخر أصبح شيئا تنازلت عنه.
هذا وحده يستطيع أن يغير الطريقة التي تنظر بها إلى الخيارين.
أبحاث التنافر المعرفي درست منذ عقود ما يسمى تغير التفضيل الناتج عن الاختيار.
الفكرة أن الشخص قد يميل بعد قرار صعب إلى رفع تقييم ما اختاره وخفض تقييم ما تركه، خصوصا
عندما كانت البدائل متقاربة قبل الحسم.
هذا الأثر تعرض لانتقادات منهجية مهمة، ثم وجدت
مراجعة تجميعية لاحقة لدراسات عالجت المشكلة المنهجية أن الاختيار نفسه يمكن أن يغير التفضيلات بدرجة قابلة للقياس.
لكن هذا لا يعني أن كل شخص يعيد كتابة رأيه بعد كل قرار.
يعني فقط أن الاختيار ليس دائما نهاية عملية التقييم.
أحيانا يصبح الاختيار نفسه معلومة جديدة تدخل في طريقة تقييمنا لما اخترناه.
التنافر المعرفي لا يعني أن كل تبرير كذبة
إذا تصرفت بطريقة تتعارض مع صورة تحملها عن نفسك فقد تشعر بعدم ارتياح.
شخص يرى نفسه حذرا في الإنفاق ثم يشتري شيئا باهظا قد يجد تناقضا بين السلوك وبين القاعدة
التي يعلنها لنفسه.
نظرية التنافر المعرفي تفسر بعض محاولات استعادة الاتساق بعد هذه المواقف.
قد يغير الشخص تقييمه أو يضيف سببا أو يقلل من أهمية المعلومة التي تهدد قراره.
لكن من الخطأ تحويل ذلك إلى حكم أخلاقي يقول إنك تختلق الأعذار دائما.
قد تكتشف بعد القرار ميزة حقيقية لم تنتبه إليها قبل الحسم، وقد تصبح بعض النتائج أو المعلومات أو القيود أوضح لأنك بدأت تعيش الاختيار فعليا.
السؤال الأدق ليس هل أنا أبرر.
بل هل السبب الذي أستخدمه الآن مدعوم بدليل مستقل، وهل كان يمكن أن أعتبره مهما حتى لو اخترت البديل الآخر.
هذا الفرق ينقل المقال من اتهام
الذات بالخداع إلى فحص جودة السبب.
السبب المقنع بعد القرار قد لا يكون سبب القرار الأصلي
الإنسان يستطيع تقديم تفسير صادق وهو مع ذلك غير دقيق تماما في وصف ما دفعه إلى الاختيار لحظة وقوعه.
تجارب تعرف بعمى الاختيار أظهرت أن بعض المشاركين يستطيعون تقديم أسباب متماسكة لخيار عرض عليهم على أنه اختيارهم رغم أنهم اختاروا شيئا آخر في الأصل.
لا تعني هذه التجارب أن الناس لا يعرفون أسباب قراراتهم أبدا، لكنها تكشف أن الوصول إلى الدوافع الداخلية ليس كاملا في كل موقف.
لهذا قد تقول بعد اجتماع إنك رفضت اقتراحا لأنه ضعيف التنفيذ، بينما تكون هذه الملاحظة صحيحة
فعلا لكنها لم تكن العامل الذي حسم القرار في اللحظة نفسها.
ربما ظهر السبب بعد أن بدأت تفحص الاقتراح بحثا عن تفسير متماسك لموقفك.
وفي الاتجاه الآخر توجد أبحاث على الاختيار المبني على الأسباب توضح أن الناس يستطيعون البحث
عن حجج قبل القرار أيضا من أجل حل التعارض بين البدائل.
المنطق ليس محاميا يصل دائما متأخرا، كما أن الشعور ليس قائدا سريا لكل قرار.
الأدق أن الأسباب قد تعمل قبل الاختيار وبعده، والفائدة العملية هي أن تلاحظ زمن ظهور السبب
بدل أن تفترض قصته.
الذاكرة بعد الاختيار ليست تسجيلا محايدا دائما
الذاكرة البشرية ليست جهاز تسجيل، لكن هذا
لا يسمح لنا بأن نصف كل تغير في التذكر بأنه عملية دفاعية واحدة.
هناك أبحاث عن الذاكرة الداعمة للاختيار وجدت صورا مختلفة من التذكر المنحاز للخيار الذي اتخذه الشخص.
قد ينسب الفرد ميزة إلى الخيار المختار أكثر مما كانت عليه، أو يتذكر بعض التفاصيل بصورة تخدم الاختيار، أو ينسى معلومات بصورة انتقائية.
لكن مراجعات هذا المجال تشير أيضا إلى تفاوت النتائج واختلاف الآليات المقترحة.
لذلك لا ينبغي أن تقول لنفسك إن كل ذكرى إيجابية ظهرت بعد القرار ملفقة.
الطريقة العملية أفضل من محاولة الحكم على ذاكرتك من الداخل.
إذا كان القرار مهما فاكتب قبل الحسم ما تعرفه وما تخشاه وما الذي ترجحه.
هذا السجل الخارجي يسمح لك لاحقا بمقارنة ما كنت تعتقده وقت القرار بما بدأت تقوله بعده.
وهنا يصبح الاختلاف نفسه معلومة تستحق الفحص بدل أن يتحول إلى تهمة بأن ذاكرتك خانتك.
البحث عن التأييد بعد القرار يختلف عن تبريره لنفسك
قد تتخذ قرارا ثم تراقب وجوه الناس وتبحث عن كلمة تؤكد أنك أحسنت الاختيار.
هذا سلوك قريب من موضوع الصفحة لكنه ليس الشيء نفسه.
في هذا السلوك
يصبح قبول المحيطين إشارة تستخدمها لطمأنة نفسك أو لقياس أثر اختيارك عليهم.
أما هنا فالمشكلة يمكن أن تحدث حتى وأنت وحدك.
لا تحتاج إلى شخص يؤيدك.
يكفي أن تبدأ في ترتيب الأسباب داخل ذهنك بحيث يصبح الخيار المختار أقوى من كل ما كان أمامه
قبل دقائق.
وقد يجتمع السلوكان بالطبع.
اقرأ ايضا : لماذا تتحدث أكثر مما تنوي عندما تشعر بالتوتر
قد تغير تقييمك داخليا ثم تبحث عن تأييد خارجي للسردية الجديدة.
لكن الفصل بينهما يحسن الفهم.
أحدهما يتعلق ببناء تفسير للقرار، والآخر يتعلق بما تفعله بردود الناس بعده.
والفصل بين السلوكين يساعدك
على معرفة هل أنت تبني حجة داخلية أم تبحث عن تصديق اجتماعي للقرار.
المراجعة الجيدة تسأل عن الدليل لا عن قوة الدفاع
بعد قرار مهم قد تستطيع كتابة صفحة كاملة تشرح لماذا كنت محقا.
كثرة الحجج لا تعني بالضرورة أن القرار قوي، لأن العقل يستطيع إنتاج أسباب كثيرة لموقف
واحد عندما يكون الهدف الدفاع عنه.
المراجعة الأفضل تغير نوع السؤال.
ما المعلومة التي لو ظهرت ستجعلني أغير رأيي.
ما الدليل الذي يناقض تفسيري.
وما الذي كنت سأقوله عن هذه المعلومة لو اخترت الطرف الآخر.
إذا قلت إن قرب المنزل الجديد من العمل ميزة حاسمة، اسأل هل كان هذا العامل مكتوبا ضمن معاييرك قبل توقيع العقد.
وإذا ظهر بعد القرار فقط، فهل اكتشفت قيمته فعلا أم أصبح مفيدا لأنه يدافع عن واقع لا تريد مراجعته.
ليس مطلوبا أن ترفض السبب الجديد لمجرد أنه متأخر.
بعض الأسباب المتأخرة صحيحة ومهمة.
المطلوب فقط ألا تمنحه حصانة لأنه يخدم النتيجة الحالية.
بهذه الطريقة تتحول مراجعة القرار من محاكمة
للذات إلى اختبار يمكن للدليل أن ينجح فيه أو يفشل.
ومن المفيد أن تفرق أيضا بين السبب والمعيار.
السبب يشرح لماذا فعلت ما فعلته، أما المعيار فيحدد مسبقا ما الذي سيجعل خيارا أفضل من آخر.
عندما تضع معاييرك قبل القرار تقل مساحة تعديلها بعده لتناسب النتيجة.
هذا مهم خصوصا
في القرارات القابلة للمقارنة مثل اختيار عرض عمل أو شراء خدمة أو تحديد مسار دراسة، لأنك تستطيع تسجيل ما يهمك قبل أن تعرف أي بديل سيفوز.
ولا تحتاج هذه الطريقة إلى جدول معقد.
بضعة أسطر تكتب فيها أولوياتك والمخاطر التي تقبلها وما الذي سيجعلك تتراجع تكفي لتصنع مرجعا خارج ذاكرتك.
فائدته ليست منع الانحياز بالكامل، بل إعطاؤك نقطة مقارنة حين يصبح القرار جزءا من هويتك أو من صورتك أمام نفسك.
التبرير يصبح مشكلة عندما يمنعك من تحديث القرار
الدفاع عن الاختيار ليس سيئا دائما.
بعد بعض القرارات تحتاج إلى قدر من الالتزام حتى لا تعيد فتح الملف كل ساعة وتستهلك نفسك في مقارنة لا تنتهي.
المشكلة تظهر عندما يصبح الحفاظ على صورة القرار أهم من الاستجابة للواقع.
قد تتغير الظروف أو تظهر تكلفة لم تكن محسوبة أو يتبين أن افتراضا أساسيا كان خطأ، ومع ذلك تستمر في إضافة المبررات لأن التراجع أصبح يبدو اعترافا بالفشل.
هنا يتحول الاتساق إلى عناد.
القرار الجيد ليس القرار الذي تستطيع الدفاع عنه إلى الأبد، بل القرار الذي تستطيع تحديثه عندما يتغير الدليل أو تعترف بأن تنفيذه لم يعط النتيجة المتوقعة.
وفي العلاقات ينطبق المبدأ نفسه.
بعد خلاف قد تبدأ في جمع مواقف قديمة تثبت أن الطرف الآخر كان دائما سيئا.
بعض هذه الذكريات قد يكون مهما، لكن استخدامها لإغلاق أي احتمال للمراجعة يختلف عن استخدامها لفهم نمط حقيقي.
الاختبار العملي هو قابلية التصحيح.
إذا لم تعد توجد أي معلومة تستطيع تغيير موقفك فقد لا تكون تراجع قرارك، بل تحميه.
استخدم اختبار زمن السبب قبل أن تصدق كل مبرراتك
استخدم اختبار زمن السبب: اسأل متى ظهر هذا السبب في ذهنك، وهل كان حاضرًا قبل اتخاذ القرار أم ظهر بعده.
ابدأ بالتوقيت.
متى ظهر هذا السبب في ذهنك.
هل كان حاضرا قبل الحسم أم ظهر بعد أن أصبح القرار واقعا.
ثم افحص الدليل.
ما المعلومة الخارجية التي
تسند السبب، وهل تستطيع التحقق منها من دون الاعتماد على شعورك الحالي تجاه القرار.
بعد ذلك اختبر التناظر.
لو كنت اخترت البديل الآخر، هل كنت ستعامل المعلومة نفسها بالوزن نفسه أم كنت ستقلل من قيمتها.
ثم ابحث عن قابلية الإبطال.
ما الشيء الذي إذا ظهر سيجعلك تقول إن هذا السبب لم يعد كافيا.
السبب الذي لا يمكن لأي معلومة أن تضعفه أقرب إلى دفاع مغلق من كونه معيارا.
وأخيرا راجع البديل.
لا تسأل فقط لماذا خياري جيد، بل ما الميزة الحقيقية التي تنازلت عنها في الخيار الآخر.
الاعتراف بها لا يعني الندم، بل يعيد المقارنة إلى صورتها الكاملة.
النضج ليس في هدم القرار ولا في تحصينه
معرفة أن الإنسان قد يبرر اختياراته بعد اتخاذها يمكن أن تدفعك إلى خطأ آخر، أن تشك في كل سبب
يظهر بعد القرار وتعتبر كل رضا لاحق خداعا للذات.
هذا غير مطلوب.
بعض القرارات تصبح أوضح بعد التجربة، وبعض المزايا لا تستطيع فهمها قبل أن تعيشها، كما أن الالتزام المعقول يساعدك على تنفيذ ما اخترته بدل البقاء في تردد مستمر.
الهدف هو الاحتفاظ ببابين مفتوحين في الوقت نفسه.
باب يسمح لك بالاستقرار داخل القرار عندما يظل الدليل داعما له، وباب يسمح لك بتصحيحه إذا ظهرت معلومات مهمة لم تكن موجودة أو لم تفهمها من قبل.
اكتب أسباب القرارات الكبيرة قبل اتخاذها عندما تستطيع.
اقرأ ايضا : لماذا تؤجل فتح رسالة مهمة رغم أن انتظارها يزعجك
وبعد الحسم لا تقارن قوة مرافعتك الجديدة بقوة شكوكك القديمة فقط، بل قارنها بما سجلته
من معايير وأدلة في الوقت الذي كانت فيه البدائل مفتوحة.
عندها يصبح السؤال أكثر دقة.
ليس هل أستطيع الدفاع عن قراري، بل هل الأسباب التي أدافع بها عنه ما زالت تصمد
لو كنت حرا في الاختيار من جديد.
