لماذا تؤجل فتح رسالة مهمة رغم أن انتظارها يزعجك
العقل خلف السلوك
قد تنتظر ردا مهما أياما، وتتفقد هاتفك أكثر من مرة، ثم تظهر الرسالة أخيرا أمامك فتفعل شيئا لم تتوقعه.
ترى الاسم أو الجهة المرسلة، تعرف أن الإجابة أصبحت على بعد لمسة واحدة، ثم تضع الهاتف جانبا
وتقول لنفسك إنك ستفتحها بعد قليل.
المفارقة أن الانتظار كان يزعجك، ومع ذلك لا تنهيه عندما تصبح المعلومة متاحة.
هذا لا يعني بالضرورة أنك ضعيف أو أنك تحب القلق أو أنك تهرب من الحقيقة دائما.
أحيانا تكون لحظة المعرفة نفسها محملة بما تتوقع أن تشعر به بعدها، أو بما تعتقد أنك ستضطر
إلى فعله فور القراءة.
هنا يفيد أن تفرق بين شيئين.
هناك قلق سببه أنك لا تعرف بعد، وهناك تردد يظهر لأنك أصبحت قادرا على أن تعرف الآن.
الرسالة المغلقة لا تغير النتيجة الموجودة داخلها، لكنها تؤجل اللحظة التي ستدخل فيها تلك النتيجة إلى وعيك وتصبح جزءا من واقعك الذي تتعامل معه.
حين تصبح المعلومة متاحة يتغير نوع القلق
قبل وصول الرسالة لا تملك إلا الانتظار.
قد تتخيل أكثر من احتمال، لكنك لا تستطيع حسم شيء لأن المعلومة لم تصل بعد.
ومع وصولها يتغير الموقف.
لم يعد السؤال متى سأعرف، بل هل أريد أن أعرف الآن.
هذا التحول مهم لأن الإنسان قد يجد المعلومة نافعة ومزعجة في الوقت نفسه.
معرفة نتيجة مقابلة عمل قد تنهي أسابيع من الانتظار، لكنها قد تحمل خيبة.
قراءة رسالة عتاب قد تمنع التخمين، لكنها قد تفتح حوارا لا ترغب في دخوله في تلك اللحظة.
لهذا لا يكون التأجيل تناقضا كاملا.
أنت قد تريد إنهاء عدم اليقين، وفي الوقت نفسه لا تريد التكلفة العاطفية التي تتوقعها من المعرفة.
هذان الدافعان يستطيعان الوجود معا.
لكن من المهم ألا نحول هذه الفكرة إلى تفسير واحد للجميع.
شخص قد يؤجل لأنه خائف من النتيجة، وآخر لأنه مرهق، وثالث لأنه في مكان لا يمنحه خصوصية،
ورابع لأنه يعرف أن الرسالة ستحتاج إلى تركيز حقيقي.
السلوك واحد ظاهريا، لكن السبب قد يختلف.
ليس كل تأجيل هروبا ولا كل انتظار ضعفا
الأبحاث الحديثة حول تجنب المعلومات تنبه إلى أن عدم التعامل مع المعلومة فور توفرها ليس دائما سلوكا مرضيا أو غير ناضج.
أحيانا يختار الإنسان تخفيف شدة المعلومة أو تأجيلها إلى وقت يستطيع فيه استقبالها بصورة أفضل.
إذا وصلتك رسالة أسرية حساسة وأنت تقود السيارة، أو نتيجة مهنية وأنت داخل اجتماع، أو رسالة شخصية أمام أشخاص آخرين، فقد يكون التأجيل القصير قرارا معقولا.
أنت لا ترفض المعرفة، بل تختار ظرفا أنسب لها.
الفرق يظهر في شكل التأجيل.
عندما يكون مقصودا يكون له سبب وموعد تقريبي.
تقول سأفتحها عندما أصل إلى البيت، أو بعد أن أنتهي من هذا الاجتماع.
أما التجنب المفتوح فيتحول إلى بعد قليل يتكرر بلا نهاية، مع استمرار القلق ومراقبة الهاتف ومحاولة
عدم النظر إلى التنبيه.
إذن السؤال ليس هل فتحت الرسالة في اللحظة نفسها، بل هل اخترت وقتا أفضل فعلا أم تركت الخوف يمدد المسافة من دون قرار.
قد يكون ما تخشاه هو شعورك بعد القراءة
أحيانا لا تكون الكلمات نفسها هي ما يصعب مواجهته.
الذي يثقل اللحظة هو توقعك لما قد تشعر به إذا كانت النتيجة مختلفة عما تريد.
قد تتوقع خيبة أو إحراجا أو غضبا أو حزنا.
وقد تكون الرسالة إيجابية لكنك تعرف أنها ستنقلك إلى مرحلة جديدة تحمل التزاما أو تغييرا لم تستعد له بعد.
لذلك لا يصح أن نقول إن الإنسان يؤجل دائما لأنه يتوقع خبرا سيئا.
البحوث في تجنب المعلومات تشير إلى أن الناس قد يبتعدون عن معلومات متاحة عندما يتوقعون
أن تثير مشاعر غير مريحة أو تهدد صورة يحملونها عن أنفسهم.
لكن هذا احتمال وليس تشخيصا لشخص بعينه.
اقرأ ايضا : لماذا تبدو المهام الصغيرة أكثر إغراء حين تنتظرك مهمة أهم
ما يساعد هنا هو أن تسمي ما تتوقعه بدقة.
بدل أن تقول لا أستطيع فتحها، اسأل نفسك ما الذي أظن أنني سأواجهه بعد الفتح.
النتيجة نفسها، أم الشعور الذي قد يأتي معها، أم القرار الذي سيصبح مطلوبا مني.
تحديد الجزء الذي تخشاه يجعل المشكلة أصغر من كلمة
الرسالة كلها.
ولا يفيد دائما أن تستعد للرسالة بتخيل أسوأ نتيجة ممكنة.
عند بعض الناس قد تتحول هذه الطريقة إلى جولة إضافية من التوقعات السلبية قبل أن يعرفوا أي حقيقة.
الأفضل أن تسأل سؤالا أضيق، ما الذي أحتاجه كي أقرأ هذه الرسالة بهدوء معقول، وهل توجد خطوة بسيطة أستطيع فعلها إذا كانت النتيجة غير مريحة.
إذا كان سبب التأجيل أنك تريد حماية تركيزك، فاجعل ذلك واضحا في سلوكك أيضا.
لا تترك الإشعار أمامك وتعود إليه كل بضع دقائق، لأنك عندها لا تؤجل المعلومة فقط بل تبقي انتباهك معلقا بها.
أغلق التنبيه أو ضع الهاتف بعيدا وحدد وقتا قريبا تعود فيه إلى الرسالة.
هذا يجعل التأجيل قرارا له نهاية بدل أن يصبح انتظارا جديدا داخل الانتظار القديم.
أحيانا تؤجل لأن القراءة تبدو كأنها تلزمك بالتصرف
هناك فرق بين معرفة المعلومة وبين الرد عليها، لكنهما يندمجان في ذهننا أحيانا.
ترى رسالة من مديرك فتشعر أن فتحها يعني أن عليك صياغة رد كامل في اللحظة نفسها.
ترى رسالة عائلية حساسة فتتصور أن القراءة ستدخل بك مباشرة في نقاش طويل.
هذا الاندماج يجعل كلفة الفتح أكبر مما هي عليه.
بدل أن يكون المطلوب خطوة واحدة وهي القراءة، يصبح المطلوب في ذهنك قراءة وفهما
وقرارا وردا وحلا كاملا.
لكن فتح الرسالة لا يفرض دائما الاستجابة الفورية.
يمكنك أن تعرف محتواها، ثم تقرر أن الرد يحتاج إلى وقت أو معلومات أو هدوء أكبر.
وإذا كانت الرسالة عاجلة ستعرف ذلك مبكرا بدل أن يبقى الأمر مجهولا.
الفصل بين المعرفة والتصرف يخفف كثيرا من ثقل اللحظة.
أنت لا تعد بأن تحل كل ما في الرسالة عندما تفتحها.
أنت فقط تنتقل من التخمين إلى المعلومات.
إبقاء الرسالة مغلقة لا يبقي النتيجة مفتوحة
من أكثر أفكار الخام جاذبية أن الرسالة المغلقة تحفظ الأمل لأن الاحتمالات تبقى حية.
هذه الفكرة تصف شعورا حقيقيا عند بعض الناس، لكنها تحتاج إلى تصحيح مهم.
إذا كانت نتيجة المقابلة قد صدرت، أو القرار قد اتخذ، أو الطرف الآخر كتب موقفه بالفعل، فإن الاحتمالات
لم تعد مفتوحة في الواقع.
الذي بقي مفتوحا هو معرفتك أنت بها.
هذا الفرق قد يبدو صغيرا لكنه يغير طريقة النظر إلى التأجيل.
عدم فتح الرسالة لا يؤجل القرار الذي اتخذه الآخر، بل يؤجل قدرتك على التعامل معه.
وفي بعض الحالات قد يريحك ذلك لفترة قصيرة، وفي حالات أخرى قد يسحب منك وقتا كان يمكن أن تستخدمه للاستجابة.
هذا ينطبق حتى على الأخبار الجيدة أحيانا.
قبول وظيفة أو موافقة على خطوة انتظرتها قد يعني انتقالا فوريا إلى ترتيبات جديدة، لذلك قد يتردد الإنسان لحظة أمام خبر كان يتمناه.
وجود التردد لا يكشف وحده إن كان السبب خوفا من الخيبة أو رهبة من التغيير أو حاجة إلى وقت أهدأ.
لذلك لا تحتاج إلى إجبار نفسك على الحقيقة في كل لحظة، لكن من المفيد أن تعرف ما الذي تشتريه بالتأجيل وما الذي تدفعه مقابله.
أحيانا تشتري دقائق من الهدوء، وأحيانا تدفع بساعات إضافية من التخمين.
فرق بين التأجيل المقصود والتجنب الذي يطيل المشكلة
يمكنك اختبار التأجيل بسؤال بسيط.
هل أدى
الانتظار إلى أن تصبح أكثر استعدادا، أم أن القلق بقي كما هو وازداد فقط عدد المرات التي فكرت فيها بالرسالة.
إذا أخرت الفتح حتى تنتهي من عمل يحتاج تركيزك ثم قرأتها في وقت حددته، فقد استخدمت التأجيل لتنظيم الموقف.
أما إذا فتحت الهاتف عشر مرات ونظرت إلى الإشعار ثم أغلقته كل مرة، فأنت على الأرجح لم تحصل على الراحة التي كنت تبحث عنها.
هناك علامة أخرى مهمة.
هل للتأجيل تكلفة عملية.
بعض الرسائل تحمل موعدا نهائيا أو خطوة تحتاج إلى وقت أو فرصة يمكن أن تضيق بالتأخير.
هنا تصبح معرفة المحتوى جزءا من حماية خياراتك حتى لو لم تكن مستعدا عاطفيا لكل تفاصيله.
وعندما لا توجد عجلة حقيقية، تستطيع أن تمنح نفسك وقتا قصيرا من دون جلد للذات.
الهدف ليس بناء قاعدة تقول افتح كل شيء فورا، بل منع التأجيل غير المحدود من أن يصبح الطريقة الوحيدة للتعامل مع الأخبار المهمة.
افتح الرسالة من دون أن تلزم نفسك برد فوري
إذا قررت أن تعرف، اجعل الخطوة أصغر مما يصورها القلق.
اختر مكانا مناسبا، افتح الرسالة، واقرأها مرة واحدة قبل أن تبدأ في كتابة قصة حول معناها.
ميز بين ما تقوله الرسالة فعلا وبين ما أضفته أنت إليها.
إذا كتب مديرك أن الطلب يحتاج تعديلا، فهذا لا يساوي تلقائيا أن أداءك كله فاشل.
وإذا كتب شخص قريب أنه يريد مناقشة موضوع، فهذا لا يحدد قبل الحوار شكل النتيجة النهائية.
بعد القراءة اسأل ما الخطوة المطلوبة الآن فقط.
قد تكون لا شيء في اللحظة نفسها.
قد تحتاج إلى حفظ موعد، أو طلب وقت للرد، أو جمع معلومة، أو الاكتفاء بأنك عرفت النتيجة.
هذه المسافة بين القراءة والرد تمنع الرسالة من التحول إلى اختبار يجب أن تنهيه في جلسة واحدة.
المعرفة خطوة، والاستجابة خطوة أخرى.
متى يحتاج هذا النمط إلى انتباه أكبر
تأجيل رسالة مهمة من حين إلى آخر جزء مفهوم من الحياة، خاصة عندما تكون الأخبار ثقيلة أو الظروف
غير مناسبة.
لكن الصورة تختلف إذا أصبح تجنب المعلومات نمطا متكررا يعطل أمورا أساسية.
إذا كنت تؤجل
باستمرار فتح رسائل العمل حتى تفوت مواعيد، أو تتجنب مراسلات مهمة مرتبطة بحقوق أو مواعيد، أو تترك التزامات عملية تتفاقم لأنك لا تريد معرفة التفاصيل، فالمشكلة لم تعد مجرد اختيار توقيت مريح.
وكذلك إذا كان مجرد ظهور رسالة عادية يسبب لك ضيقا شديدا ومتكررا أو يدفعك إلى تجنب العمل والعلاقات أو التواصل لفترات طويلة، فقد يكون من المفيد التحدث مع مختص نفسي يساعدك
على فهم نمط القلق والتجنب في سياق حياتك كاملة.
هذا لا يعني أن كل تردد يحتاج تشخيصا.
المقصود أن ننظر إلى الأثر.
السلوك الذي لا يغير حياتك كثيرا يختلف عن سلوك يضيق خياراتك ويؤخر قرارات أو حقوقا أو علاقات مهمة.
استخدم بوابة فتح الرسالة قبل أن تؤجلها
عندما تصل رسالة مهمة وتشعر بأنك لا تريد فتحها الآن، مرر اللحظة عبر خمس نقاط.
الأهمية، هل توجد مهلة أو معلومة قد تحتاج تصرفا مبكرا.
السبب، هل أؤجل لأن الوقت غير مناسب أم لأنني لا أريد أن أعرف.
ثم الشعور، ما الذي أتوقع أن أشعر به بعد القراءة.
الخطوة، هل أخلط بين فتح الرسالة وبين ضرورة الرد فورا.
وأخيرا الموعد، إذا لم أفتحها الآن فمتى سأفعل تحديدا.
اقرأ ايضا : لماذا تشعر أنك تفقد ذكرى حين تتخلص من غرض قديم؟
إذا كان السبب عمليا والموعد واضحا، فالتأجيل قد يكون اختيارا منظما.
وإذا لم تجد سببا سوى بعد قليل من دون موعد، فقد يكون الأفضل أن تصغر المهمة وتفتح الرسالة فقط، ثم تمنح نفسك وقتا منفصلا لما سيأتي بعدها.
أحيانا لا يكون أصعب جزء هو الخبر نفسه، بل اللحظة التي تنتقل فيها من احتمال تتخيله إلى معلومة تعرفها.
فهم هذه اللحظة لا يطلب منك أن تصبح بلا خوف، بل أن تميز بين وقت تحتاجه فعلا ووقت يضيفه التجنب إلى قلق كان يزعجك من البداية.
