لماذا يصعب عليك معرفة رأيك الحقيقي بعد سماع آراء كثيرة

لماذا يصعب عليك معرفة رأيك الحقيقي بعد سماع آراء كثيرة

مرآة الذات

شخص يراجع آراء متعددة قبل حسم قرار شخصي
شخص يراجع آراء متعددة قبل حسم قرار شخصي

قد تدخل نقاشا وأنت تميل إلى خيار معين، ثم تخرج منه بعد سماع عدة آراء وأنت غير قادر على معرفة

 ما إذا كنت ما زلت مقتنعا بما بدأت به أم أنك أصبحت تكرر ما قاله آخر شخص تحدث بثقة.

الغريب أنك لم تحصل على معلومات أقل، بل حصلت على معلومات أكثر، ومع ذلك صار القرار أقل وضوحا.

هذا لا يعني أن الاستشارة تضعفك أو أن رأيك الأول هو الرأي الصحيح الذي يجب حمايته من الناس.

النصيحة الجيدة قد تكشف خطأ لم تره، وخبرة شخص مناسب قد توفر عليك قرارا سيئا.

المشكلة تبدأ عندما تختلط ثلاثة أشياء في ذهنك، قوة الحجة، وطريقة تقديمها، ومكانة صاحبها.

عندها قد يبدو الرأي الحاسم أقوى من الرأي المتزن، وقد تبدو تجربة شخص قريب كأنها قاعدة تنطبق عليك، وقد تنشغل بمحاولة إرضاء جميع من استشرتهم بدل أن تسأل أي معلومة منهم غيرت تقديري فعلا.

لهذا فالمطلوب ليس أن تعزل نفسك عن المشورة ولا أن تبحث عن صوت داخلي معصوم من التأثير، 

فهذا غير واقعي.

المطلوب أن تعرف كيف يدخل الرأي الخارجي في قرارك، وما الذي يستحق أن يغيره، وما الذي اكتسب

 وزنه فقط من العلاقة أو النبرة أو تكرار السماع.

كثرة الآراء لا تمحو رأيك لكنها تغير نقطة المقارنة

قبل الاستشارة قد تكون أمام خيارين ومعايير واضحة نسبيا.

بعد عدة محادثات يصبح أمامك الخياران نفسيهما إضافة إلى مخاوف وتجارب وتوقعات كل من تحدثت معه.

ما زاد ليس عدد الحلول فقط، بل عدد الزوايا التي تحاول أن تراعيها في الوقت نفسه.

لهذا قد تشعر أن رأيك اختفى، مع أنه ربما لم يختف.

الذي حدث أن تقديرك الأول أصبح محاطا بطبقات من المعلومات الاجتماعية، وكل طبقة تطلب منك أن تسأل سؤالا جديدا لم يكن موجودا قبل الاستشارة.

بعض هذه الأسئلة مفيد جدا.

قد ينبهك شخص إلى تكلفة لم تحسبها أو حق لطرف آخر سيتأثر بقرارك أو خطر مهني لا تعرفه.

وبعضها لا يضيف معلومة عن موقفك، بل ينقل إليك درجة حذر صاحب الرأي أو طموحه أو تجربته الخاصة.

المهمة ليست أن تستعيد رأيك القديم كما كان، بل أن تعرف أي جزء من تغير رأيك جاء من معلومة تستحق أن تغيره وأي جزء جاء من تأثير الطريقة التي سمعت بها النصيحة.

النبرة الواثقة قد تبدو أقوى من الحجة

الرأي الذي يقال بجزم يترك أثرا مختلفا عن الرأي الذي يقال بتحفظ.

شخص يقول لك هذا الخيار سيفشل بلا شك قد يبدو أكثر معرفة من شخص يقول أرى خطرا 

هنا لكنني لا أعرف كل ظروفك.

البحث في تلقي النصيحة يظهر أن مستوى ثقة المستشار يمكن أن يؤثر في مقدار الأخذ بكلامه.

لكن الثقة التي تظهر في الصوت ليست قياسا مباشرا لدقة الرأي.

يمكن لشخص أن يكون واثقا وصائبا، ويمكن أن يكون واثقا ومخطئا، ويمكن لشخص أكثر دقة أن يتحدث بحذر لأنه يعرف حدود معرفته.

لذلك لا تحاول مقاومة النبرة القوية لمجرد أنها قوية، ولا تتبعها لمجرد أنها حاسمة.

أعد صياغة كلام صاحبها بصوت محايد داخل ذهنك.

ما الحجة نفسها لو حذفت الجزم والانفعال.

إذا بقيت الفكرة قوية بعد إزالة طريقة تقديمها فقد تكون جديرة بالوزن.

وإذا فقدت معظم قوتها بمجرد حذف عبارة أنا متأكد فالمشكلة كانت في الإحساس الذي صنعته النبرة لا في الدليل الذي قدمته.

المكانة والخبرة ليستا الشيء نفسه

من الطبيعي أن تعطي بعض الأشخاص وزنا أكبر.

طبيب يعرف حالتك في مسألة صحية ليس كصديق قرأ تجربة مشابهة، ومختص مالي أو قانوني 

في مسألة تخص مجاله ليس كقريب حسن النية.

تجاهل الخبرة الحقيقية باسم الاستقلال الشخصي ليس نضجا.

لكن المكانة الاجتماعية وحدها لا تجعل كل رأي أكثر دقة.

الشخص الأكبر سنا أو الأعلى منصبا أو الأقرب إليك قد يملك خبرة مهمة في جانب من القرار ولا يملكها في جانب آخر.

اسأل عن مجال الصلاحية.

ما الذي يعرفه هذا الشخص فعلا مما تحتاجه في هذا القرار.

مديرك قد يفهم بيئة العمل أفضل منك، لكنه لا يعرف بالضرورة ظروف أسرتك.

قريبك قد يعرف شخصيتك جيدا، لكنه لا يعرف تفاصيل سوق مهني جديد لم يعمل فيه.

اقرأ ايضا :  لماذا تتمسك بصورة قديمة عن نفسك رغم أنك تغيرت

بهذا يتحول احترام الشخص من طاعة شاملة لرأيه إلى وزن مناسب للجزء الذي يملك فيه معرفة حقيقية.

وحتى الخبرة نفسها لا تعمل كختم نهائي خارج مجالها.

قد يكون شخص ناجحا جدا في عمله لكنه ينصحك في قرار أسري من تجربته الشخصية فقط، 

وقد يكون قريبك أكثر معرفة بتفاصيل حياتك من خبير لا يعرف عن ظروفك إلا القليل.

لذلك جودة المصدر تعتمد على صلته بالسؤال المحدد، لا على مكانته العامة وحدها.

التجربة الشخصية ليست قانونا لموقفك

قصص الناس مؤثرة لأنها حية ومحددة.

شخص غادر وظيفة وندم قد يجعلك ترى تغيير العمل أخطر مما كنت تراه قبل عشر دقائق.

وشخص نجحت معه الخطوة نفسها قد يجعلك تشعر أنها أسهل مما هي عليه.

لكن التجربة تخبرك بما حدث في سياق صاحبها.

قد تكشف لك خطرا لم تفكر فيه أو سؤالا يستحق البحث، لكنها لا تثبت أن نتيجته ستتكرر لديك.

بدل أن تسأل هل نجحت تجربته أم فشلت فقط، اسأل ما الذي في تجربته يشبه ظروفي وما الذي يختلف.

ربما كان لديه التزام مالي مختلف أو شبكة دعم أقوى أو توقيت أسوأ أو معلومات لم تكن متاحة لك.

حين تفصل الدرس عن القصة تستطيع الاستفادة من خبرة الآخر دون أن تستعير نتيجته كاملة.

المشكلة تبدأ عندما تختلط المعطيات بالاختيارات

ليس كل ما يقوله لك الناس من النوع نفسه.

بعض الكلام معلومة يمكن التحقق منها، وبعضه تقدير للمخاطر، وبعضه قيمة شخصية، وبعضه تفضيل لما ينبغي أن تكون عليه حياتك.

إذا قال شخص إن الوظيفة الجديدة تبعد ساعة إضافية عن منزلك فهذه معلومة قابلة للفحص.

وإذا قال إن ساعة الطريق لا تستحق أي ترقية فهذا حكم يعتمد على ما تعطيه أنت للوقت والدخل والنمو المهني من وزن.

الخلط بين الاثنين يجعل رأي الآخر يبدو أكثر موضوعية مما هو عليه.

قد تبدأ بمعلومة صحيحة ثم تنتقل معها تلقائيا إلى النتيجة التي يفضلها صاحبها.

اكتب المعطيات منفصلة عن التوصيات.

ما الذي تعلمته عن الواقع، وما الذي اقترحه الشخص أن تفعله بهذا الواقع.

قد تقبل الأولى وتختلف مع الثانية من دون أن يعني ذلك أنك تجاهلت النصيحة.

لا تجعل رأيك الأول مقدسا أيضا

بعد اكتشاف تأثير الآخرين قد تقع في خطأ معاكس، فتقرر أن رأيك الحقيقي هو أول انطباع ظهر قبل أن تتحدث مع أحد.

هذا ليس ضروريا.

أحيانا يتغير رأيك لأنك تعلمت شيئا مهما.

إذا كشف لك شخص موثوق قيدا لم تعرفه فمن الطبيعي أن تعيد التفكير.

الاستقلال لا يعني أن تبقى كما كنت قبل وصول معلومات أفضل.

السؤال الأدق ليس أي رأي كان لي قبل الناس، بل ما الرأي الذي أستطيع الدفاع عنه الآن بعد أن سمعت

 ما يستحق السماع وفصلت المعلومة عن الضغط الاجتماعي.

قد تنتهي إلى اختيار مختلف تماما عن انطباعك الأول ويظل القرار قرارك أنت، لأن التغيير جاء من أسباب اقتنعت بها لا من مجرد رهبة النبرة أو مكانة المتحدث.

توقف عن إضافة آراء عندما لا تضيف معلومة

هناك نقطة تتحول عندها الاستشارة من جمع معلومات إلى إعادة تدوير الحيرة.

تسأل شخصا جديدا، ثم تكتشف أن كلامه لا يضيف معلومة أو زاوية لم تسمعها، وإنما يعطي وزنا مختلفا للأشياء نفسها.

إذا وصلت إلى هذه المرحلة فالسؤال التالي قد لا يزيد وضوحك.

وقد تبدأ دون قصد في البحث عن صوت يجعل القرار أسهل شعوريا بدل أن يجعل فهمك للواقع أفضل.

هذا هو الحد الذي يفصل هذه الصفحة عن البحث المتكرر عن تأكيد.

إذا كنت تعرف المعطيات الأساسية وتعيد السؤال فقط حتى تجد رأيا يريحك أو يوافق ميولك، فالمشكلة

 لم تعد نقصا في المدخلات.

قبل استشارة شخص جديد اسأل ما الذي يمكن لهذا الشخص أن يعرفه ولا أملكه الآن.

إذا لم تجد إجابة واضحة فقد تحتاج إلى وقت للفرز أكثر من حاجتك إلى رأي إضافي.

عد إلى معايير القرار قبل أن تعود إلى الأشخاص

عندما تختلط عليك الأصوات لا تبدأ بسؤال من أصدق أكثر.

ابدأ بالسؤال الذي كان ينبغي أن يسبق الاستشارة، ما المعايير التي يجب أن يحققها القرار في واقعي.

قد تكون المعايير دخل الأسرة، أو وقتك، أو سلامة علاقة، أو فرصة نمو، أو التزاما شرعيا أو حقا لا يجوز تجاهله.

وبعض القرارات تحتاج كذلك إلى رأي مختص لأن تقديرك الشخصي لا يكفي في جانب فني أو صحي أو قانوني.

بعد تحديد المعايير عد إلى النصائح واسأل أي رأي أضاف معلومة عن أحد هذه المعايير وأي رأي أضاف خوفا أو تفضيلا لا يلزمني.

إذا تعارض رأيان فلا تحاول دائما الوصول إلى منتصف بينهما.

قد يكون أحدهما يتحدث عن احتمال مالي والآخر عن أثر أسري، وهما لا يتناقضان أصلا بل يصفان جانبين مختلفين.

اجمعهما داخل الصورة نفسها ثم قرر الوزن الذي يستحقه كل جانب بحسب واقعك.

أما إذا اختلفا في حقيقة قابلة للفحص فابحث عن الدليل أو المختص المناسب بدل تحويل الأمر إلى تصويت بين الأشخاص.

بهذه الطريقة لا تحتاج إلى إسكات الناس حتى تسمع نفسك.

أنت تعطي لكل صوت مكانه، ثم تجعل المعيار هو الذي يحكم الوزن.

ومن المهم أن تترك مساحة للأشخاص الذين يتأثرون بالقرار نفسه.

قرار يبدو شخصيا قد يمس حق زوج أو أسرة أو شريك في عمل.

استقلال رأيك لا يعني تجاهل أثر اختيارك فيمن لهم حق أو التزام مباشر، بل يعني ألا تخلط حقهم في المعلومة والمشاركة مع رغبتك في الحصول على موافقة الجميع.

استخدم بوابة وزن الرأي قبل أن تحسم

عندما تسمع نصيحة قوية مررها عبر خمس نقاط.

المحتوى، ما المعلومة أو الحجة التي يقدمها الرأي فعلا.

المصدر، ما الخبرة التي يملكها صاحب الرأي في الجزء الذي يتحدث عنه.

ثم النبرة، هل قوة تأثير الكلام جاءت من دليله أم من الثقة والحدة في تقديمه.

التطبيق، ما الذي يجعل تجربة هذا الشخص قابلة أو غير قابلة للتطبيق على ظروفك.

وأخيرا المعيار، أي جزء من نصيحته يغير واحدا من معايير قرارك الأساسية.

إذا اجتاز الرأي هذه البوابة فقد يستحق أن تغير موقفك بسببه حتى لو خالف ما كنت تريده في البداية.

وإذا لم يضف إلا يقينا لفظيا أو قصة لا تشبهك فلا يلزم أن تمنحه الوزن نفسه لمجرد أن صاحبه 

مهم بالنسبة إليك.

معرفة رأيك الحقيقي بعد سماع الناس لا تعني العودة إلى صوت داخلي نقي لم يتأثر بأحد.

الإنسان يتعلم من الآخرين بطبيعته، والمشورة قد تحسن القرار.

اقرأ ايضا : لماذا تشعر أنك خدعت الآخرين عندما يثقون بقدراتك؟

النضج هو أن تعرف كيف دخل كل رأي إلى تقديرك ولماذا بقي فيه.

عندما تستطيع أن تقول غيرت موقفي لأن هذه المعلومة غيرت فهمي، أو لم أغيره

 لأن هذه التجربة لا تنطبق على ظروفي، يصبح رأيك أكثر وضوحا من مجرد عبارة هذا ما أشعر به.

عندها لا تختفي أصوات الآخرين، لكنها تتوقف عن التحدث كلها بالوزن نفسه.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال