لماذا تشعر أن ألمك لا يستحق الاهتمام عندما يعاني غيرك أكثر
مرآة الذات
قد تمر بيوم ثقيل بسبب خلاف في العمل أو خيبة من شخص قريب أو ضغط تراكم
حتى أصبح حضورك مرهقا.
ثم ترى خبرا عن شخص فقد عزيزا أو أسرة تمر بمحنة أكبر، فيتغير صوتك الداخلي فجأة.
بدل أن تقول إن ما حدث لك آلمك، تبدأ في محاكمته، وتقرر أن حزنك صغير وأن من حقك
أن تصمت لأن غيرك يحمل ما هو أشد.
هذه المقارنة قد تمنحك منظورا أوسع، وقد تذكرك بنعم حقيقية في حياتك.
المشكلة لا تبدأ من رؤية معاناة الآخرين، بل عندما تستخدمها لإلغاء تجربتك أنت.
عندها تتحول المقارنة من وسيلة لفهم النسب إلى حكم يقول إن شعورك لا يستحق الانتباه.
علم النفس يميز بين المقارنة الاجتماعية وبين الإبطال الذاتي للمشاعر.
الأولى قد تغير تقييمنا لأنفسنا بطرق مختلفة، أما الثانية فتظهر عندما نحكم على شعورنا
نفسه بأنه غير مقبول أو غير جدير بالاعتبار.
الفارق مهم، لأنك تستطيع أن ترى ألم غيرك وتحترمه، وفي الوقت نفسه تعترف بأن موقفك أوجعك ويحتاج إلى فهم متزن.
المقارنة قد تمنحك منظورا لكنها لا تحدد قيمة شعورك
من الطبيعي أن تغير معاناة الآخرين زاوية رؤيتك لما تمر به.
في علم النفس الاجتماعي تعرف مقارنة النفس بمن هو في وضع أصعب بالمقارنة الهابطة، وقد تمنح بعض الناس شعورا بالامتنان أو تخفف حدة تقييم المشكلة، لكنها لا تعمل بالطريقة نفسها لدى الجميع.
أبحاث المقارنة الاجتماعية توضح أن الاتجاه وحده لا يحدد النتيجة.
رؤية شخص في وضع أصعب قد تجعلك أكثر تقديرا لما لديك، وقد تثير خوفا أو ذنبا أو شعورا
بأن ما تعانيه لا يحق لك ذكره.
الأثر يعتمد على معنى المقارنة بالنسبة لك لا على كون الآخر أسوأ حالا فقط.
لهذا لا تحتاج إلى منع نفسك من التفكير في ظروف الآخرين.
المطلوب أن تلاحظ الوظيفة التي أخذتها المقارنة.
إذا وسعت منظورك من دون أن تلغي الواقع الذي تعيشه فهي أداة مفيدة.
وإذا تحولت إلى أمر داخلي بالصمت لمجرد وجود ألم أكبر في مكان آخر فقد خرجت
من المنظور إلى إبطال الذات.
وجود مأساة أكبر لا يجعل موقفك بسيطا تلقائيا، كما أن اعترافك بتعبك لا يساوي
وضعه في مستوى مأساة شخص آخر.
المقارنة ليست ميزانا يمنح تصريح الشعور للأشد معاناة فقط.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الألم بحاجة إلى تصريح كي يكون مقبولا
الإبطال الذاتي للمشاعر يعني أن الشخص لا يكتفي بالشعور بالحزن أو الغضب أو الخوف، بل يضيف
فوقه تقييما سلبيا لشعوره نفسه.
يقول لنفسه إنني أبالغ، أو لا يحق لي أن أتعب، أو يجب أن أخجل لأن هناك من يمر بما هو أصعب.
أبحاث حديثة عن الإبطال الذاتي بسبب المشاعر وجدت ارتباطا بين ارتفاع هذا النمط وبين صعوبات
أكبر في تنظيم الانفعال والضيق النفسي لدى بعض العينات.
هذا لا يعني أن كل مرة تقلل فيها من مشكلة صغيرة ستسبب اضطرابا، لكنه يدعم فكرة أن محاكمة الشعور باستمرار ليست مرادفا للنضج.
وهنا نحتاج إلى فرق مهم.
شعورك حقيقي بمعنى أنك تشعر به فعلا، لكن تفسيرك للحدث ليس بالضرورة صحيحا.
يمكنك الاعتراف بأن تعليق المدير جرحك، ثم تراجع لاحقا هل كان مقصودا أو هل بالغت في فهمه.
الاعتراف بالشعور لا يمنح كل تفسير خرج معه صفة الحقيقة.
هذه المساحة الوسطى أقوى من طرفين متعاكسين.
لا تقول لنفسك إن شعورك تافه لأن غيرك يعاني أكثر، ولا تقول إن مجرد الألم يثبت
أنك كنت على حق في كل ما فهمته من الموقف.
الامتنان والألم لا يحتاجان إلى إلغاء أحدهما الآخر
قد تشعر بالامتنان لعملك وفي الوقت نفسه تتأذى من طريقة معاملة حدثت داخله.
وقد تعرف أنك تعيش في أمان وتبقى متعبا من خلاف أسري.
وقد تدرك أن آخرين يواجهون ابتلاءات أشد ثم تحتاج مع ذلك إلى الراحة أو إلى الحديث عما أثقلك.
الأبحاث حول ممارسات الامتنان تشير إلى فوائد محتملة للصحة النفسية والرفاه في مجموعات مختلفة، لكنها لا تجعل الامتنان أداة لإلغاء المشاعر غير المريحة.
أن ترى الخير الموجود لا يتطلب أن تنكر الشيء الذي يحتاج إلى إصلاح.
الخلط يحدث عندما تستخدم النعمة كحجة ضد نفسك.
اقرأ ايضا : لماذا يربكك النجاح في طريق لم تعد تريده
تقول لدي أشياء كثيرة جيدة، إذن لا يحق لي الانزعاج.
هذه المعادلة غير ضرورية.
يمكن للإنسان أن يحمل أكثر من تقييم في الوقت نفسه، وأن يقول أنا ممتن لهذا الجانب،
وهذا الموقف آلمني أيضا.
هذا ينسجم حتى مع المعنى الشرعي للرضا والصبر بصورة أكثر اتزانا.
الاعتراف بالتعب أو الحزن لا يعني الاعتراض على قدر الله، كما أن الشكر على النعمة لا يطلب
منك إنكار ضرر حقيقي أو ترك سبب مباح للإصلاح.
حجم الحدث وحده لا يخبرك بحجم أثره عليك
نحن نحب المقاييس الواضحة، ولذلك يبدو منطقيا أن تكون المشكلة الأكبر هي وحدها التي تستحق شعورا أكبر.
لكن التجربة الإنسانية لا تعمل بمقياس واحد.
الموقف نفسه قد يمر خفيفا على شخص ويصيب نقطة شديدة الحساسية لدى شخص آخر بسبب
معناه أو توقيته أو قدرته الحالية على الاحتمال.
نقد عابر في يوم عادي ليس هو النقد نفسه بعد أسابيع من ضغط متواصل.
فقدان فرصة واحدة لا يحمل المعنى نفسه لدى شخص لديه بدائل واسعة وآخر بنى عليها أملا كبيرا.
هذا لا يعني أن كل استجابة مناسبة لمجرد أنها حدثت.
بعض ردود الفعل تكون أكبر من الموقف وتحتاج إلى مراجعة.
لكن المقارنة بألم شخص آخر لا تخبرك وحدها هل استجابتك متناسبة أم لا.
المعيار الأكثر فائدة هو العودة إلى سياقك.
ما الذي حدث فعلا، وما المعنى الذي أعطيته له، وما أثره في نومك أو عملك أو علاقتك أو قدرتك على القيام بواجباتك.
هذه أسئلة أقرب إلى واقعك من السؤال عن شخص بعيد يعيش مأساة مختلفة تماما.
لا تحتاج إلى تضخيم ألمك كي تسمح لنفسك بفهمه
الخروج من التقليل لا يعني الاتجاه إلى الطرف المقابل وتحويل كل انزعاج إلى جرح عميق يحتاج جلسة تحليل طويلة.
بعض المواقف صغيرة بالفعل، وبعض المشاعر تمر عندما نعطيها مساحة قصيرة ثم نواصل يومنا.
الفكرة هي إزالة المحاكمة الزائدة لا زيادة حجم المشكلة.
يمكنك أن تقول هذا ضايقني، ثم تسأل هل يحتاج إلى إجراء أم يكفي أن أتركه يمر.
هذه الجملة أكثر اتزانا من قول لا يحق لي أن أتضايق، وأكثر واقعية من تحويل كل ضيق إلى أزمة.
مراجعة حديثة لعملية تسمية المشاعر تشير إلى أن
وضع الكلمات على التجربة الانفعالية قد يغير طريقة إدراك الشعور ومشاركته، لكن هذا لا يعني أن مجرد تسمية الشعور تخفض توتر الدماغ بصورة مضمونة كما يوحي الخام.
التسمية هنا أداة للوضوح.
عندما تقول أنا خائب أو مرهق أو غاضب تصبح المهمة محددة أكثر من شعور
عام بأنك يجب أن تتوقف عن الإحساس.
وبعد الوضوح يأتي القرار، لا الغرق في الشعور.
كتمان التعبير ليس دائما مرضيا ولا دائما مفيدا
الاستخدام المزمن لبعض أساليب القمع أو التجنب يرتبط بمشكلات انفعالية في دراسات كثيرة، لكن أبحاثا تجريبية حديثة تبين أن كبح التعبير قد يقلل أحيانا من شدة التجربة في مواقف محددة.
المعنى أن الاستراتيجية لا تحمل الحكم نفسه في كل ظرف.
قد يكون من الحكمة أن تؤجل التعبير عن غضبك في اجتماع حتى تهدأ.
وقد يكون من المرهق أن تمنع نفسك شهورا من الاعتراف بمشكلة مستمرة حتى أمام نفسك.
الفرق بينهما هو المرونة والهدف والسياق.
لذلك لا تحتاج إلى قاعدة تقول عبر عن كل شيء، ولا قاعدة تقول ابتلع كل شيء.
اسأل هل ما أفعله يساعدني على إدارة الموقف أم يمنعني من رؤيته.
هذا السؤال أدق من وصف المشاعر بأنها طاقة تبحث عن منفذ.
المقارنة تصبح مشكلة عندما تمنعك من قرار تحتاجه
أخطر أثر عملي للتقليل من ألمك ليس أنك لم تمنح الشعور اسما جميلا، بل أن التصغير قد يمنعك
من اتخاذ قرار يناسب الواقع.
قد تكون مرهقا من ضغط عمل مستمر ثم تقول إن غيرك بلا وظيفة، فتتوقف عن التفكير في تنظيم
عبء العمل أو أخذ راحة أو البحث عن حل.
وقد يكون هناك خلاف متكرر في علاقة مهمة، فترفض الحديث عنه لأن آخرين يعيشون مشكلات
أشد.
هذا لا يعني أن كل تعب يستلزم تغيير وظيفة أو مواجهة أو انسحابا من علاقة.
بل يعني أن شدة معاناة الآخرين ليست المعيار الذي يحدد هل مشكلتك تحتاج خطوة.
انظر إلى التكرار والأثر وإمكانية الإصلاح.
إذا كان الموقف عابرا وقد مر أثره فلا تحتاج إلى صناعة مشكلة منه.
وإذا كان يتكرر ويعطل حياتك أو يستهلك قدرتك على أداء ما عليك، فهذه معلومات تستحق المراجعة مهما كانت هناك مآس أكبر في العالم.
وإذا أصبح الضيق مستمرا أو شديدا أو بدأ يعطل نومك أو عملك أو علاقاتك بصورة واضحة،
فقد يكون طلب مساعدة متخصصة أنسب من الاستمرار في مقارنة نفسك بمن يعاني أكثر.
استخدم اختبار وظيفة المقارنة قبل أن تصغر تجربتك
يمكنك استخدام إطار تحريري يسمى اختبار وظيفة المقارنة.
هذا إطار
تحريري أصلي، وليس اختبارا نفسيا أو معيارا رسميا.
ابدأ بالمنظور.
بعد أن رأيت معاناة شخص آخر، هل أصبحت أكثر امتنانا وهدوءا مع بقاء فهمك لما حدث لك،
أم أصبحت فقط أكثر قسوة على نفسك.
ثم افحص الحقيقة.
ما الجزء الذي تعرفه فعلا عن مشكلتك، وما الجزء الذي هو تفسير أو توقع.
الاعتراف بالشعور لا يمنعك من مراجعة تفسيرك.
بعد ذلك انظر إلى الأثر.
هل الموقف مر وانتهى، أم يتكرر ويؤثر في جانب مهم من يومك.
هذا يساعدك على التمييز بين شعور يحتاج وقتا وبين مشكلة تحتاج قرارا.
ثم افحص التناسب.
هل استجابتك تبدو منسجمة مع الحدث وسياقك، أم أنك تضخم أو تصغر فقط لأنك تقارن
نفسك بشخص آخر.
وأخيرا حدد الخطوة.
إذا كانت المقارنة جعلتك أرحم وأوضح فاحتفظ بها.
وإذا كانت جعلتك عاجزا عن تسمية مشكلة تحتاج إلى معالجة، فتوقف عن استخدامها كمقياس لأحقية شعورك.
دع معاناة الآخرين توسع رحمتك لا تمحو تجربتك
رؤية ألم أكبر تستطيع أن تعلمك الامتنان والتواضع، وتستطيع أن تذكرك بأن حياتك تحتوي
خيرا لا تريد أن تنساه.
لكن هذه الفائدة لا تحتاج إلى تحويل إنسان آخر إلى مقياس تسكت به نفسك.
ألمك لا يصبح أكبر لأنك اعترفت به، ولا يصبح ألم الآخرين أصغر لأنك تعاملت مع شأنك بجدية.
تستطيع أن تتعاطف مع مأساة بعيدة ثم تعود إلى مشكلة صغيرة في بيتك أو عملك وتقرر التعامل
معها بهدوء.
كما أنك لا تحتاج إلى إثبات أنك الأكثر تعبا حتى تستحق الراحة أو الحوار أو المراجعة.
ما تحتاجه هو أن ترى حجم تجربتك كما هي.
اقرأ ايضا : لماذا يصعب عليك معرفة رأيك الحقيقي بعد سماع آراء كثيرة
لا تصغرها لتبدو ممتنا، ولا تضخمها لتبرر اهتمامك بها.
الفرق الذي يستحق أن يبقى معك بسيط.
المقارنة المفيدة توسع الصورة، أما المقارنة التي تلغي حقك في رؤية ما يحدث داخلك
فهي لا تعطيك منظورا بل تسحب منك معلومة.
عندما تستطيع أن تقول هناك من يعاني أكثر، وأنا ما زلت أحتاج إلى فهم ما يؤلمني، يصبح الامتنان أكثر صدقا والتعاطف أكثر اتزانا، ويعود الألم إلى حجمه الحقيقي بدل أن يتحول إلى منافسة لا يحتاجها أحد.
