لماذا تروي الموقف نفسه لأكثر من شخص بعد حدوثه

لماذا تروي الموقف نفسه لأكثر من شخص بعد حدوثه

العقل خلف السلوك

رجل يروي موقفا مزعجا لصديق في جلسة هادئة
رجل يروي موقفا مزعجا لصديق في جلسة هادئة

قد تخرج من موقف أزعجك في العمل أو العائلة، ثم تتصل بشخص تثق به وتروي له ما حدث.

بعد ساعات تلتقي بآخر فتجد نفسك تعيد القصة نفسها، وربما تكررها في اليوم التالي لشخص ثالث.

الغريب أنك تعرف أنك حكيتها من قبل، ومع ذلك تشعر أن هناك شيئا لم يكتمل بعد.

من السهل أن تفسر هذا السلوك بأنك تبحث عن التعاطف أو تريد إثبات أنك محق.

وقد يحدث ذلك أحيانا، لكنه ليس التفسير الوحيد.

مشاركة المواقف المشحونة مع الآخرين سلوك إنساني شائع، ويمكن أن يؤدي وظائف مختلفة مثل تسمية ما شعرت به، طلب دعم اجتماعي، سماع زاوية لم ترها، أو التأكد من أنك لم تسيء فهم الموقف.

المهم أن تكرار الحكي لا يعني تلقائيا أنك تعالج الحدث، كما أنه لا يعني أنك عالق فيه.

الفرق يظهر في ما يحدث بين رواية وأخرى.

إذا كانت كل جولة تضيف فهما أو تهدئة أو قرارا، فالحكي يتحرك.

أما إذا بقيت القصة والانفعال والحكم كما هي، فقد تكون تدور حول الحدث أكثر مما تفهمه.

تكرار الحكي بعد الموقف أمر اجتماعي أكثر مما يبدو

الأحداث التي تثير غضبا أو إحراجا أو خوفا أو حيرة تدفع الناس كثيرا إلى الحديث عنها مع الآخرين.

علماء النفس يصفون هذا الميل بمشاركة الخبرة الانفعالية اجتماعيا، وهو ليس مجرد تفريغ صوتي

 ولا علامة ضعف.

عندما تروي ما حدث فأنت تنقل التجربة من مساحة داخلية مزدحمة إلى حوار يمكن ترتيبه بالكلمات.

أثناء الموقف الأصلي كنت منشغلا بالرد والتصرف والانتباه إلى الطرف الآخر، أما بعد انتهائه 

فأصبح لديك وقت لتمييز ما حدث فعلا عما شعرت به تجاهه.

وجود مستمع يضيف شيئا لا توفره المراجعة الداخلية وحدها.

هناك شخص يسأل، أو يعيد صياغة نقطة، أو يلاحظ تناقضا، أو يمنحك إحساسا بأن انفعالك مفهوم.

لهذا قد تشعر براحة بعد الحديث حتى لو لم يتغير الموقف نفسه.

لكن الدراسات على المشاركة الاجتماعية للمشاعر توضح أن نتائج الحكي ليست واحدة دائما.

قد يمنح ارتياحا قصير المدى من دون أن يؤدي بالضرورة إلى تعاف عاطفي كامل.

لذلك قيمة الحكي تعتمد على طريقة الحوار وما الذي يحدث بعده، لا على عدد مرات تكرار القصة وحده.

هناك سبب آخر يجعل التكرار مفهوما.

الحدث نفسه قد يحمل أكثر من سؤال في وقت واحد.

قد تريد في البداية أن تعرف هل كان غضبك مفهوما، ثم تنتبه لاحقا إلى أنك لا تعرف

 كيف تتعامل مع الشخص في اللقاء القادم.

عندما يتغير السؤال تتغير فائدة الحكي حتى لو بقيت الوقائع نفسها.

لذلك لا تحكم على نفسك من مجرد تكرار الرواية، بل راقب إن كان السؤال الذي تحاول حله يتحرك فعلا.

أنت لا تطلب الشيء نفسه من كل مستمع

قد تروي الموقف لصديق لأنك تريد الاحتواء، ثم ترويه لزميل لأنك تريد فهم قواعد العمل،

 ثم تتحدث مع شخص يعرف الطرف الآخر لأنك تبحث عن سياق لم يكن متاحا لك.

من الخارج تبدو القصة مكررة.

من الداخل قد تكون الوظيفة مختلفة في كل مرة.

لهذا لا يصح تفسير كل تكرار بأنه طلب تأييد أو عجز عن اتخاذ موقف.

أحيانا نحتاج إلى دعم عاطفي يقول إن ما شعرنا به مفهوم.

وأحيانا نحتاج إلى دعم معرفي يساعدنا على رؤية الاحتمالات وتفسير التفاصيل بطريقة أوسع.

البحث النفسي يفرق بين هذين النوعين، ويشير إلى أن الدعم الذي يريحك في اللحظة ليس دائما هو الدعم الذي يغير فهمك للموقف على المدى الأبعد.

هذه النقطة تفسر لماذا قد تنهي حديثا مريحا جدا ثم تشعر أنك ما زلت تريد التحدث إلى شخص آخر.

ربما حصلت على التعاطف الذي احتجته، لكن السؤال الذي يحيرك لم يجد إجابة بعد.

تسمية ما شعرت به قد تغير شكل التجربة

الموقف المزعج يصل أحيانا ككتلة واحدة.

أنت غاضب ومحرج وحائر في الوقت نفسه، ولا تعرف أي جزء منها هو الأكثر تأثيرا عليك.

حين تبدأ الحكي تضطر إلى اختيار كلمات تصف ما وقع وما شعرت به.

مجرد تسمية الانفعال قد تساعد بعض الناس على تنظيمه في اللحظة.

أبحاث تسمية المشاعر وجدت أن وضع الشعور في كلمات يمكن أن يغير طريقة الاستجابة الانفعالية، لكن التأثير ليس مضمونا ولا متساويا لدى الجميع.

القيمة هنا ليست في إعادة الجمل نفسها، بل في زيادة الدقة.

اقرأ ايضا : لماذا تؤجل فتح رسالة مهمة رغم أن انتظارها يزعجك

قد تبدأ الرواية الأولى بعبارة أن الشخص أهانني، ثم تكتشف بعد الحديث أنك لم تتألم من كلمته

 بقدر ما أزعجك أنه قالها أمام الآخرين.

هذه المعلومة الجديدة تغير فهمك لما تحتاجه بعد الموقف.

حين يصبح الشعور أوضح يصبح السؤال العملي أوضح أيضا.

هل تحتاج إلى تصحيح معلومة، أم وضع حد، أم طلب توضيح، أم مجرد قبول أن الموقف كان مزعجا وانتهى.

الرأي المختلف قد يساعدك على إعادة تقييم الموقف

المستمع الجيد لا يكتفي دائما بالموافقة.

قد يسألك عن الجزء الذي لم تفهمه، أو يلفت انتباهك إلى أن الطرف الآخر كان يرد على شيء مختلف

 عما ظننته، أو يفرق بين ما تعرفه وما استنتجته.

هذا النوع من الحوار يمكن أن يساعد على إعادة تقييم الحدث.

توجد أبحاث تشير إلى أن مساعدة شخص آخر لنا في إعادة تفسير موقف انفعالي قد تخفض شدة الاستجابة السلبية وتترك أثرا يتجاوز لحظة الحديث نفسها في بعض الظروف.

لكن الرأي الخارجي ليس حقيقة لمجرد أنه جاء من شخص نحبه.

الصديق قد يميل إلى صفك، والزميل قد يقرأ الموقف من خبرته الخاصة، والشخص الغاضب 

معك قد يزيد حدة تفسيرك بدل أن يوسعه.

لهذا لا تجمع الآراء كأنها تصويت على من كان محقا.

استخدمها لزيادة المعلومات.

الرأي المفيد هو الذي يضيف احتمالا أو يميز واقعة من تفسير أو يساعدك على اختيار خطوة،

 لا الذي يكرر الحكم نفسه بصوت جديد.

طلب التأكيد ليس هو نفسه طلب الفهم

هنا يقترب الموضوع من سلوك آخر موجود لكنه مختلف.

قد تروي الموقف لأكثر من شخص لأنك تريد أن تسمع الجملة نفسها منهم جميعا، أنك لم تخطئ، 

وأن الطرف الآخر هو المسؤول، وأن رد فعلك كان صحيحا تماما.

طلب التأكيد ليس مشكلة بمجرد حدوثه.

بعد موقف محير قد نحتاج فعلا إلى معايرة حكمنا مع أشخاص نثق بهم.

المشكلة تبدأ عندما لا يستطيع أي جواب أن يغلق السؤال، فتنتقل من شخص إلى آخر بحثا

 عن راحة تتلاشى بسرعة.

هذا النوع من طلب الطمأنة المتكرر معروف في البحث النفسي، ويرتبط في صورته المفرطة 

ببعض أنماط القلق والضيق النفسي.

لكن لا ينبغي تشخيص الإنسان من موقف واحد أو من حاجته إلى رأي صديقين بعد خلاف صعب.

الفرق العملي بسيط.

إذا كنت مستعدا لسماع رأي يخالفك فأنت أقرب إلى طلب الفهم.

وإذا كنت تغير المستمعين حتى تحصل على الإجابة التي تهدئك فقط، فقد يكون التأكيد هو الهدف الأهم.

تكرار القصة لا يجعل ذاكرتك أدق بالضرورة

كل مرة تروي فيها الحدث تبدو لك القصة أكثر تماسكا.

هذا قد يزيد إحساسك بأنك تتذكره بدقة، لكنه لا يعني أن كل تفصيل أصبح أكثر صحة.

الذاكرة ليست تسجيل فيديو ثابت.

ما نتذكره يمكن أن يتأثر بما نركز عليه أثناء السرد وبالأسئلة التي يطرحها الآخرون وبالتفسيرات التي نسمعها بعد الحدث.

دراسات على إعادة رواية الأحداث وجدت أن النقاش اللاحق يستطيع التأثير في ما يتذكره الناس

 وفي بعض تفاصيل الرواية.

لهذا احذر من تحويل كثرة الحكي إلى دليل على أن روايتك أصبحت مؤكدة.

في الخلافات الاجتماعية خصوصا، فرق بين ما سمعته أو رأيته فعلا وبين تفسيرك لنية الطرف الآخر.

هذه الدقة تحميك من شيء مهم.

قد تبدأ الحكي لكي تفهم ما حدث، ثم تنتهي بعد عدة جولات وأنت أكثر يقينا بتفسير لم يكن موجودا في الموقف الأصلي.

التماسك النفسي للقصة لا يساوي الدقة الكاملة للذاكرة.

متى يتحول الحكي إلى اجترار مشترك

هناك فرق بين حوار يوسع الفهم وحوار يعيد تدوير المشكلة.

الاجترار المشترك يحدث عندما يقضي شخصان وقتا طويلا في العودة المتكررة إلى المشكلة والانفعالات والتفاصيل السلبية من دون انتقال واضح إلى فهم جديد أو خطوة مفيدة.

هذا النوع من الحديث قد يقوي الإحساس بالقرب بين الأشخاص، ولهذا قد يبدو مريحا ومحببا.

لكن المراجعات البحثية وجدت أيضا ارتباطا بين الاجترار المشترك وبين مستويات أعلى من القلق والاكتئاب لدى بعض الفئات، مع وجود جانب اجتماعي إيجابي في الوقت نفسه.

لا تعرف أنك دخلت الاجترار من عدد الدقائق أو عدد الأشخاص وحده.

راقب الحركة داخل الحوار.

هل ظهرت معلومة جديدة، هل تغير تفسيرك، هل هدأ انفعالك، هل أصبح لديك قرار، أم أنكما تعيدان

 الجزء الأكثر إزعاجا وتؤكدان الحكم نفسه كل مرة.

إذا كانت القصة تزداد اشتعالا ولا تزداد وضوحا، فالمزيد من الحكي قد لا يكون ما تحتاجه.

استخدم خريطة وظيفة الحكي قبل أن تعيد القصة

يمكنك استخدام إطار تحريري بسيط يسمى خريطة وظيفة الحكي.

هذا ليس اختبارا نفسيا رسميا، بل طريقة تساعدك على معرفة ما الذي تبحث عنه قبل أن تتصل بالشخص التالي.

ابدأ بالسؤال عن الهدف.

هل تحتاج إلى احتواء، أم معلومة، أم رأي مختلف، أم مساعدة على اتخاذ خطوة.

ثم اسأل لماذا اخترت هذا المستمع تحديدا.

هل يملك معرفة مفيدة، أم أنك تعرف مسبقا أنه سيؤيدك.

بعد الحديث اسأل عما تغير.

هل عرفت شيئا لم تكن تعرفه، هل استطعت تسمية شعورك بدقة أكبر، هل اتضح لك ما ستفعله، 

أم حصلت فقط على راحة قصيرة ثم عادت الرغبة في رواية القصة من جديد.

وأخيرا افحص اتجاه الرواية.

إذا أصبحت أقصر وأوضح وأقل حاجة إلى إثبات موقفك فهذا غالبا يعني أن التجربة تتحول

 إلى شيء يمكنك فهمه ووضعه في مكانه.

أما إذا أصبحت أطول وأكثر اتهاما مع كل مستمع، فقد تحتاج إلى تغيير طريقة المعالجة لا زيادة

 عدد المستمعين.

توقف عندما لا تضيف الجولة التالية شيئا

ليس المطلوب أن تمنع نفسك من الحديث عن موقف أزعجك.

مشاركة التجارب مع أشخاص مناسبين قد تمنح دعما وفهما ومنظورا لا تستطيع إنتاجه وحدك في اللحظة نفسها.

لكن الحكي يصبح أكثر فائدة عندما تعرف ماذا تريد منه.

اختر مستمعا يستطيع تقديم النوع الذي تحتاجه من الدعم، واترك مساحة لرأي لا يطابق روايتك،

 وميز بين الوقائع والتفسيرات، ثم لاحظ هل خرجت من الحوار بشيء جديد.

واختيار المستمع جزء من القرار أيضا.

الشخص الذي يعرف بيئة العمل قد يفيدك في تفسير إجراء مهني، بينما شخص قريب

 منك قد يكون أفضل إذا كان احتياجك الأساسي أن تسمع وتفهم مشاعرك.

ليس كل شخص مناسبا لكل وظيفة، وكثرة المستمعين لا تعوض غياب المستمع المناسب.

إذا وجدت نفسك تروي القصة للمرة التالية من دون سؤال جديد ومن دون معلومة جديدة

 ومن دون تغير في الخطوة التي ستتخذها، فهذه إشارة عملية إلى أن الكلام بدأ يفقد وظيفته.

اقرأ ايضا : لماذا تراقب ردود الآخرين رغم أن القرار يخصك

في هذه اللحظة قد يكون الأنفع أن تنتقل من الرواية إلى الفعل، أو تمنح الحدث وقتا يهدأ،

 أو تكتب لنفسك ما بقي غامضا، أو تطلب مساعدة متخصصة إذا ظل الموقف يسبب

 ضيقا شديدا ومتكررا ويؤثر في نومك أو عملك أو علاقاتك.

ليس عدد المرات هو الذي يحدد إن كان الحكي مفيدا.

السؤال الأهم هو ما الذي أصبحت تعرفه أو تستطيع فعله الآن ولم تكن تعرفه أو تستطيع 

فعله قبل أن تبدأ الكلام.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال