لماذا تهرب من نفسك أكثر مما تهرب من الآخرين؟
مرآة الذات
| مواجهة الذات وكسر عادة الهروب الداخلي نحو الصدق الشخصي |
هناك لحظة صامتة تأتي في منتصف الليل أو في طريق طويل أو أثناء جلوسك وحيدا، حين تشعر أن شيئا
قد يكون سؤالا عن خيار اتخذته، أو شعورا بأنك تعيش حياة لا تشبهك، أو إدراكا بأنك تكذب على نفسك
منذ وقت طويل.
في هذه اللحظة، تملك خيارين: إما أن تفتح الباب وتواجه ما بداخلك، أو أن تشغل نفسك بأي شيء
آخر حتى تمر اللحظة.
معظم الناس يختارون الثاني، ليس لأنهم جبناء، بل لأن مواجهة الذات أصعب من مواجهة أي خصم خارجي، لأنك لا تستطيع أن تهرب من نفسك إلى الأبد.
الهروب من النفس ليس فعلا واحدا، بل هو عادة يومية تبنيها بلا وعي.
تملأ وقتك بالانشغال، تغرق في العمل، تتصفح هاتفك لساعات، تبحث عن أي شيء يشتت انتباهك
عن الصوت الداخلي الذي يريد أن يتكلم.
هذا الهروب يبدو مريحا في البداية، لكنه يتراكم مع الوقت ويصبح قلقا لا تعرف مصدره، أو شعورا بالفراغ حتى لو كنت محاطا بالناس، أو إحساسا بأنك تعيش على السطح ولا تلمس حقيقتك أبدا.
وفي هذا المقال، سنحاول أن نفهم لماذا نهرب، وكيف نتوقف عن هذا الهروب، وماذا يحدث حين نجد الشجاعة لنقف أمام أنفسنا بصدق.
لماذا نهرب من مواجهة الذات؟
الهروب من النفس يبدأ من الخوف من الألم.
حين تواجه نفسك، فأنت تواجه أخطاءك، وندمك، وخيبات أملك، والأشياء التي كنت تتمنى أن تكون مختلفة.
هذه المواجهة مؤلمة لأنها تجبرك على الاعتراف بأنك لست الشخص الذي تتظاهر أنك عليه، وأن جزءا
من حياتك كان مبنيا على أوهام أو قرارات سيئة.
مثال بسيط: شخص قضى سنوات في علاقة يعرف في أعماقه أنها خاطئة، لكنه يرفض أن يعترف
بذلك لأن الاعتراف يعني أنه أضاع وقتا، أو أنه اختار بشكل سيئ، أو أنه سيضطر إلى اتخاذ قرار صعب.
فيفضل أن يستمر في الهروب، أن يقنع نفسه بأن الأمور ستتحسن، أو أن المشكلة ليست كبيرة،
حتى يصل
إلى نقطة لا يستطيع فيها تجاهل الألم.
الهروب أيضا يأتي من الخوف من المسؤولية.
حين تواجه نفسك، تصبح مسؤولا عن التغيير.
لا يمكنك بعدها أن تلوم الظروف أو الآخرين أو الحظ، لأنك رأيت الحقيقة بوضوح.
هذه المسؤولية ثقيلة، لأنها تعني أنك لو لم تتغير، فأنت اخترت أن تبقى كما أنت.
مثال آخر: شخص يعرف أن عمله لا يناسبه وأنه يستنزف طاقته، لكنه يرفض أن يواجه هذه الحقيقة
لأن المواجهة تعني أنه يجب أن يبحث عن بديل، أو أن يخاطر، أو أن يخرج من منطقة الأمان.
فيفضل أن يبقى في حالة إنكار، يشتكي لكن لا يتحرك، لأن الشكوى أسهل من المواجهة.
ثم هناك الخوف من اكتشاف أنك لا تعرف نفسك حقا.
كثير من الناس يبنون هوية على أساس ما يظنونه عن أنفسهم، ثم يكتشفون حين يواجهون أنفسهم
أن هذه الهوية كانت زائفة.
قد تكون بنيت صورة عن نفسك كشخص قوي، ثم تكتشف أنك ضعيف في أشياء كثيرة.
أو بنيت صورة عن نفسك كشخص طيب، ثم تكتشف أنك قادر على الأنانية والقسوة.
هذا الاكتشاف مخيف لأنه يهدم ما كنت تعتقد أنك تعرفه عن نفسك، ويجبرك على إعادة بناء فهمك لذاتك من جديد.
لكن الهروب من هذا الاكتشاف لا يلغي الحقيقة، بل يجعلك تعيش في وهم يتشقق مع الوقت.
علامات الهروب الخفية
الهروب من النفس لا يكون دائما واضحا.
أحيانا يتخفى في صورة إنتاجية زائدة، أو انشغال دائم، أو حتى في صورة مساعدة الآخرين.
تملأ يومك بالمهام حتى لا يبقى وقت للتفكير، تقنع نفسك أنك منشغل ومهم، لكن الحقيقة أنك تهرب
من لحظات الهدوء التي قد تجبرك على مواجهة نفسك.
اقرأ ايضا: لماذا تعود نفس المشاعر إليك مرارًا رغم تجاهلك لها؟
مثال: شخص يعمل ساعات طويلة، يتطوع في كل مشروع، يساعد الجميع، يبدو من الخارج كإنسان ناجح ومعطاء، لكن في الداخل هو يهرب من سؤال بسيط: هل أنا سعيد؟
هل أعيش حياتي أم أعيش دورا؟
هذا النوع من الهروب خطير لأنه يبدو فضيلة، فلا أحد يشك فيه، وحتى أنت لا تشك فيه حتى تصل إلى نقطة الإرهاق.
علامة أخرى هي الإدمان على التشتيت.
قد لا يكون إدمانا على مادة، بل على أي شيء يشغل العقل: متابعة الأخبار بشكل قهري، التصفح المستمر لوسائل التواصل، مشاهدة حلقات متتالية من مسلسلات لا تهمك، أي شيء يملأ الفراغ الذي قد يسمح لصوتك الداخلي أن يظهر.
مثال: شخص يفتح هاتفه كل دقيقتين، ليس لأن هناك شيئا مهما، بل لأنه لا يحتمل أن يبقى مع أفكاره.
هذا التشتيت المستمر يمنعك من الوصول إلى الوعي الذاتي،
لأنك لا تعطي نفسك فرصة أن تسمع ما يحدث بداخلك.
وهناك أيضا الهروب عبر العلاقات.
بعض الناس يدخلون علاقات متتالية أو يبقون في علاقات سامة، ليس حبا، بل هربا من الوحدة.
الوحدة تجبرك على مواجهة نفسك، أما العلاقة فتملأ الفراغ وتشغلك بمشاكل الآخر بدلا من مشاكلك.
مثال: شخص ينتقل من علاقة إلى أخرى دون أن يأخذ وقتا ليفهم نفسه، يبحث عن شخص يملأ الفراغ الداخلي بدلا من أن يملأه هو بنفسه.
هذا النوع من الهروب يؤدي إلى علاقات غير صحية، لأنك لا تدخلها من موضع اكتمال، بل من موضع احتياج يائس لتجنب المواجهة الحقيقية مع ذاتك.
كيف تبدأ المواجهة الحقيقية؟
المواجهة الحقيقية تبدأ من قرار بسيط لكنه شجاع: أن تخصص وقتا تجلس فيه وحدك دون تشتيت، وتسأل نفسك أسئلة صادقة.
لا تحتاج إلى جلسة طويلة أو مكان خاص، يكفي أن تغلق هاتفك، وتجلس في غرفتك أو في مكان هادئ، وتسأل: ماذا أتجنب؟ ما الذي أخاف أن أعترف به؟ ما الذي يزعجني حين أفكر فيه؟ هذه الأسئلة ليست سهلة، والإجابات قد تكون مؤلمة، لكن مجرد طرحها يعني أنك بدأت تتوقف عن الهروب.
مثال: شخص قرر أن يجلس كل مساء لمدة عشر دقائق فقط، يكتب ما يشعر به دون رقابة أو تجميل،
وبدأ يلاحظ أنماطا كان يتجاهلها، مخاوف كان يدفنها، حقائق كان يرفض رؤيتها.
هذه العشر دقائق غيرت علاقته بنفسه لأنها كانت أول مساحة صادقة أعطاها لنفسه منذ سنوات.
المواجهة تتطلب أيضا أن تتوقف عن الدفاع عن نفسك أمام نفسك.
نحن نجيد تبرير أفعالنا وإيجاد الأعذار، لكن المواجهة الحقيقية تعني أن تنظر إلى الحقيقة كما هي،
دون أن تلبسها ثوب التبرير.
إذا أخطأت، اعترف، لا تبحث عن من تلوم.
إذا كنت خائفا، اعترف، لا تسمه حكمة أو حذرا.
مثال: شخص كان يبرر عدم تقدمه في حياته بأن الظروف صعبة، ثم حين واجه نفسه بصدق،
اعترف أن الظروف ليست السبب الوحيد، وأن جزءا من المشكلة هو خوفه من الفشل وتجنبه للمخاطرة.
هذا الاعتراف لم يكن سهلا، لكنه كان بداية التغيير الحقيقي.
ومن الطرق العملية أيضا أن تكتب رسالة لنفسك، رسالة صريحة تقول فيها كل ما تخاف أن تقوله.
اكتب عن خيبات أملك، عن أخطائك، عن الأشياء التي تخجل منها، عن الأحلام التي تخليت عنها،
عن الأشخاص الذين جرحتهم أو جرحوك.
لا تكتب لتنشر أو لتريها لأحد، اكتب لتواجه نفسك على الورق.
هذه الرسالة ستكشف لك أشياء لم تكن تعرف أنك تحملها، وستعطيك وضوحا كنت تفتقده.
مثال: امرأة كتبت رسالة لنفسها عن علاقتها مع أمها، كتبت عن الألم والغضب والحب المختلط، وحين انتهت، شعرت براحة لم تشعر بها منذ سنوات، لأنها أخرجت ما كانت تحمله في صمت.
الكتابة كانت مواجهة آمنة، لأنها كانت بينها وبين نفسها فقط.
ماذا تفعل حين تواجه الحقيقة؟
حين تواجه الحقيقة عن نفسك، أول شعور قد يأتيك هو الحزن أو الندم.
قد تشعر أنك أضعت وقتا، أو أنك كنت أعمى، أو أنك لم تكن الشخص الذي ظننت أنك عليه.
هذا الشعور طبيعي، ومن المهم أن لا تهرب منه.
اسمح لنفسك أن تحزن، أن تندم، أن تشعر بالخيبة، لأن هذه المشاعر جزء من عملية الشفاء.
لا تحاول أن تقفز مباشرة إلى الحلول أو إلى التفاؤل المصطنع، بل عش الشعور حتى يمر.
مثال: رجل اكتشف أنه قضى سنوات في عمل لا يحبه فقط لأنه كان يخاف من رأي والده،
وحين واجه هذه الحقيقة، شعر بغضب شديد على نفسه، لكنه لم يدفن هذا الغضب، بل سمح له أن يظهر،
وبعد فترة تحول الغضب إلى قبول، ثم إلى قرار بالتغيير.
بعد المشاعر الأولية، تأتي مرحلة القبول.
القبول لا يعني أن تكون راضيا عن كل شيء، بل يعني أن تعترف بالواقع كما هو، دون أن تحاول تغيير الماضي أو لوم نفسك إلى الأبد.
تقول لنفسك: نعم، هذا ما حدث، نعم، هذا ما أنا عليه، وهذا جزء من قصتي.
القبول يحررك من الصراع الداخلي المستمر، لأنك توقفت عن محاولة إنكار الحقيقة أو الهروب منها.
مثال: امرأة اعترفت أنها كانت أما سيئة في فترة معينة من حياتها بسبب مشاكلها النفسية،
وحين قبلت هذه الحقيقة، توقفت عن معاقبة نفسها، وبدأت تركز على كيف يمكنها أن تكون أفضل الآن.
القبول لم يمح الماضي، لكنه أعطاها القدرة على العيش في الحاضر دون أن تحمل ذنبا لا ينتهي.
المرحلة التالية هي اتخاذ القرار.
المواجهة بلا قرار تصبح مجرد جلد ذات، أما المواجهة التي تليها قرارات فهي بداية التحول.
بعد أن تعرف الحقيقة، تسأل نفسك: ماذا أريد أن أفعل بهذه المعرفة؟
هل أريد أن أغير شيئا؟
هل أريد أن أصلح علاقة؟ هل أريد أن أترك شيئا أو أبدأ شيئا جديدا؟
القرار يجب أن يكون واقعيا وقابلا للتنفيذ، لا قرارا كبيرا وغامضا.
مثال: شخص واجه حقيقة أنه يهمل صحته، فبدلا من أن يقرر قرارا ضخما مثل تغيير حياته كلها،
قرر أن يبدأ بخطوة واحدة: المشي نصف ساعة يوميا.
هذا القرار الصغير كان قابلا للتنفيذ، ونجاحه فيه أعطاه ثقة لاتخاذ قرارات أخرى لاحقا.
الصدق مع النفس كممارسة يومية
الصدق مع النفس ليس حدثا يحصل مرة واحدة، بل هو ممارسة يومية، عادة تبنيها مع الوقت.
تبدأ صغيرة: تلاحظ حين تكذب على نفسك، تلاحظ حين تبرر فعلا تعرف أنه خاطئ، تلاحظ حين تتجنب سؤالا يزعجك.
ومع كل ملاحظة، تصحح قليلا، تعترف قليلا، تواجه قليلا.
هذه الممارسة اليومية تبني وعيا ذاتيا عميقا، لأنك تصبح مراقبا لنفسك بعين رحيمة لكن صادقة.
مثال: شخص بدأ يلاحظ أنه حين يغضب من الآخرين، في الحقيقة هو غاضب من نفسه، وبدأ حين يشعر بالغضب، يسأل نفسه: ما الذي يزعجني حقا هنا؟
هل المشكلة في الشخص الآخر أم في شيء بداخلي؟
هذا السؤال البسيط غير طريقة تعامله مع مشاعره، لأنه أصبح أكثر صدقا مع نفسه.
الصدق مع النفس يتطلب أيضا أن تتوقف عن تجميل الحقيقة أمام نفسك.
نحن نميل إلى أن نروي قصصنا بطريقة تجعلنا نبدو أفضل، نختار الذكريات التي تدعم الصورة التي نريدها
عن أنفسنا، ونتجاهل الذكريات التي تعارضها.
لكن الصدق الحقيقي يعني أن ترى الصورة كاملة، الجيد والسيئ، النجاحات والإخفاقات،
اللحظات التي فخرت بها واللحظات التي خجلت منها.
مثال: رجل كان يروي قصة انفصاله على أنه كان الضحية، ثم حين واجه نفسه بصدق،
اعترف أنه كان جزءا من المشكلة، وأنه لم يكن الشريك المثالي كما كان يصور نفسه.
هذا الاعتراف لم يكن سهلا، لكنه كان ضروريا لكي يتعلم ولا يكرر نفس الأخطاء.
التصالح الداخلي بعد المواجهة
بعد المواجهة والاعتراف، يأتي وقت التصالح الداخلي.
التصالح لا يعني أن تنسى أو أن تتظاهر بأن شيئا لم يحدث، بل يعني أن تسامح نفسك على أخطائك، وأن تفهم أنك كنت تفعل ما تستطيعه في وقته بالمعرفة والقدرة التي كانت لديك.
كثير من الناس يعلقون في مرحلة لوم الذات حتى بعد المواجهة، لكن هذا اللوم المستمر لا يخدم أحدا.
التصالح يعني أن تقول لنفسك: نعم، أخطأت، لكنني إنسان، وأستحق فرصة أخرى.
مثال: امرأة واجهت حقيقة أنها كانت قاسية على أطفالها في فترة معينة،
وبدلا من أن تبقى في دائرة الذنب، قررت أن تعتذر لهم، وأن تغير طريقتها،
وأن تسامح نفسها على ما لم تكن تعرف كيف تتعامل معه.
هذا التصالح أعطاها سلاما، وجعلها قادرة على أن تكون أما أفضل في الحاضر.
التصالح يتطلب أيضا أن تتقبل أن بعض الأشياء لا يمكن إصلاحها، وأن هذا ليس نهاية العالم.
قد تكون خسرت علاقة، أو فرصة، أو سنوات من عمرك، ولا يمكنك استرجاعها.
التصالح هو أن تقبل الخسارة، وأن تتعلم منها، وأن تمشي للأمام دون أن تحمل ثقل الماضي كعقوبة أبدية.
مثال: رجل ندم على أنه لم يقض وقتا كافيا مع والده قبل وفاته، وبعد فترة من الحزن والندم، قرر أن يتصالح مع هذه الحقيقة، وأن يستثمر الدرس في علاقته مع أبنائه.
لم يستطع تغيير الماضي، لكنه استطاع أن يتعلم منه ويعيش بشكل مختلف.
ماذا يحدث حين تعيش بصدق مع نفسك؟
حين تتوقف عن الهروب من مواجهة نفسك وتبدأ تعيش بصدق، تتغير حياتك بطرق لم تكن تتوقعها.
تصبح أكثر هدوءا، لأنك لم تعد تعيش في صراع داخلي مستمر.
تصبح أكثر وضوحا في قراراتك، لأنك تعرف ما تريد حقا وما لا تريده.
تصبح أكثر قدرة على بناء علاقات صحية، لأنك لم تعد تدخلها من موضع هروب بل من موضع اكتمال.
الصدق مع النفس يبني أساسا قويا للحياة، لأنه يجعلك تعيش من الداخل إلى الخارج، لا من الخارج إلى الداخل.
في نهاية المطاف،تصبح أيضا أكثر قدرة على التعامل مع الصعوبات، لأنك لم تعد تخاف من مواجهة الحقائق المؤلمة.
حين تأتي مشكلة، لا تهرب منها، بل تواجهها بوضوح، تسأل نفسك ما دورك فيها، وما يمكنك فعله.
هذه القدرة على المواجهة تجعلك أقوى وأكثر مرونة، لأنك تعلمت أن المواجهة لا تحطمك بل تبنيك.
اقرأ ايضا: لماذا تكرر نفس الأخطاء رغم وعيك بها؟
مثال: شخص اعتاد على مواجهة نفسه، وحين واجهته أزمة مالية، لم يهرب في الإنكار أو اللوم،
بل واجه الواقع بوضوح، حلل الوضع، اتخذ قرارات صعبة،
وتجاوز الأزمة بشكل أسرع مما كان سيفعل لو كان لا يزال يعيش في الهروب.