لماذا يدافع عقلك عن أخطائك أكثر مما يدافع عن الحقيقة؟
العقل خلف السلوك
في صباح يوم عمل مزدحم وخانق، وبينما كان خالد يقود سيارته متوتراً للحاق باجتماع مصيري قد يحدد مسار ترقيته، رأى الإشارة الضوئية تتحول من الأخضر إلى الأصفر.
| شخص يجلس متأملًا بينما تنعكس ظلال أفكار متناقضة في الخلفية" |
كان أمامه خياران لا ثالث لهما: التوقف والانتظار لدقائق قد تضيع عليه الاجتماع، أو الضغط على دواسة الوقود والمغامرة بالعبور.
في جزء من الثانية، اتخذ خالد قراره وضغط بقوة.
تحولت الإشارة للأحمر القاني وهو في منتصف التقاطع، وفجأة، دوى صوت صافرة شرطي المرور الواقف في الزاوية، مشيراً له بالتوقف.
توقف قلب خالد للحظة، وجف حلقه.
هذا الخطأ قد يكلفه مخالفة باهظة، وربما سحب رخصة، والأهم من ذلك، تأخيراً كارثياً.
في تلك الثواني القليلة بينما كان الشرطي يقترب من نافذته ببطء، بدأ عقل خالد في العمل بسرعة تفوق سرعة أحدث الحواسيب، ليس للاعتراف بالخطأ أو الشعور بالندم، بل لصناعة قصة بديلة متماسكة ومنطقية.
عندما فتح النافذة، لم يقل: آسف، لقد كنت متهوراً .
بل قال بنبرة المظلوم الواثق: يا سيدي، أنا متأخر على اجتماع حياة أو موت، والإشارة كانت صفراء حين عبرت، والشارع كان خالياً تماماً من المشاة، وأنا سائق حذر جداً بطبعي ولم أرتكب مخالفة منذ سنوات .
خالد هنا، في قرارة نفسه، لا يكذب بالمعنى الحرفي الخبيث للكلمة.
هو في تلك اللحظة يصدق تماماً روايته المعدلة.
لقد أقنع نفسه في ثوانٍ أن الظروف القاهرة و تاريخه النظيف و خلو الشارع هي مبررات تجعل تجاوزه للإشارة ليس مخالفة، بل ضرورة.
والمفارقة المضحكة المبكية، أنه لو كان خالد واقفاً عند الإشارة ورأى سائقاً آخر يفعل نفس الشيء بالضبط، لصرخ فيه من خلف زجاجه المغلق: انظر لهذا المتهور المستهتر بأرواح الناس!
أين احترام القانون؟ .
هذا المشهد اليومي المتكرر يكشف الستار عن آلية نفسية مذهلة، ومعقدة، ومرعبة في آن واحد، تعمل داخل رؤوسنا جميعاً على مدار الساعة دون توقف.
نحن نعيش، دون أن ندري، مع محامٍ داخلي بارع جداً، وفصيح، ومخلص.
مهمته الوحيدة والمقدسة ليست البحث عن الحقيقة المجردة، بل الدفاع المستميت عن موكله -الذي هو أنت- أمام أي تهمة، وتبرئة ساحته أمام محكمة الضمير القاسية.
هذا الرجل لا ينام، ولا يكل، ومستعد لتزوير الأدلة، وليّ عنق المنطق، وإعادة كتابة التاريخ، وحذف مشاهد كاملة من الذاكرة، فقط لكي يحافظ على شيء واحد مقدس وهش: صورتك الذاتية كإنسان جيد، وعاقل، ومنطقي، وأخلاقي.
نحن البشر لدينا حاجة نفسية عميقة وجذرية لأن نرى أنفسنا كائنات متسقة أخلاقياً.
لا أحد، مهما بلغ سوؤه، يستيقظ في الصباح وينظر للمرآة بصدق ويقول: أنا شخص سيء، ومنافق، وأناني .
حتى أعتى المجرمين والطغاة في التاريخ كانت لديهم سرديات وقصص داخلية تبرر أفعالهم الوحشية وتجعلها تبدو في عيونهم ضرورية، أو وقائية، أو حتى نبيلة وتخدم مصلحة عليا.
هذه الفجوة العميقة والمؤلمة بين ما نفعله في الواقع وبين من نعتقد أننا هم في الخيال تخلق توتراً نفسياً لا يطاق يسميه علماء النفس التنافر المعرفي .
ولكي يهدأ هذا التوتر ونتمكن من النوم ليلاً، يتدخل العقل بعملية جراحية تجميلية فورية للواقع، فيقص الحقائق غير المريحة، ويضخم الأعذار الواهية، حتى يصبح الخطأ الفادح الذي ارتكبناه متوافقاً تماماً مع صورتنا المثالية عن أنفسنا، فننام قريري العين بينما الحقيقة تصرخ وتنزف في الخارج.
في هذا المقال المطول، سنقوم بتشريح عقلية هذا الشخص الداخلي، لنفهم كيف يخدعنا ليحمينا، وكيف يتحول هذا الدفاع النفسي من درع واقٍ إلى سجن يمنعنا من رؤية عيوبنا وإصلاحها.
التنافر المعرفي: الألم الخفي الذي يولد الأكاذيب البيضاء
لفهم لماذا نبرر؟
ولماذا نختلق الأعذار، علينا أولاً أن نفهم طبيعة الألم النفسي الذي نحاول الهروب منه.
مصطلح التنافر المعرفي الذي صاغه عالم النفس ليون فيستنغر ، يصف حالة من الانزعاج الشديد، والتوتر العقلي، والضيق الجسدي أحياناً، تصيب الإنسان عندما تتصادم في عقله فكرتان متناقضتان، أو يتصادم سلوك يقوم به مع معتقد يؤمن به.
تخيل شخصاً مثقفاً يؤمن بعمق بأهمية الصحة، والرياضة، والحياة النقية، لكنه في الوقت نفسه مدخن شره لا يستطيع ترك السيجارة.
هنا، في عقل هذا الشخص، يوجد صدام عنيف وحرب أهلية: فكرة أنا شخص ذكي ومسؤول وأهتم بجسدي تقف وجهاً لوجه أمام واقع أنا أدخن سماً قاتلاً يدمر رئتي ويقصر عمري .
هذا الصدام يخلق توتراً نفسياً يشبه الصرير المزعج لطباشير على سبورة، أو كخدشٍ مزعج في لوحةٍ جميلة.
العقل البشري يكره هذا التنافر ولا يستطيع التعايش معه طويلاً.
لإسكات هذا الصرير واستعادة التوازن المعرفي ، أمام العقل خياران فقط لا ثالث لهما:
الخيار الأول (تغيير السلوك): أن يقلع عن التدخين فوراً ليطابق سلوكه مع معتقده الصحي.
هذا هو الخيار المنطقي والصحيح، لكنه الخيار الشاق ، و المؤلم ، والذي يتطلب إرادة حديدية، ووقتاً، ومعاناة مع أعراض الانسحاب.
الخيار الثاني (تغيير المعتقد/التبرير): أن يغير طريقة تفكيره أو يقلل من شأن الخطر، وهو المسار الأسهل ،
و الأسرع ، و الأكثر إغراءً .
في غياب الإرادة القوية، يختار العقل البشري غالباً الخيار الثاني.
فيبدأ الرجل الداخلي فوراً في نسج التبريرات الإبداعية: جدي كان يدخن بشراهة وعاش حتى التسعين بصحة جيدة ، الحياة قصيرة ومليئة بالضغوط والسيجارة هي متعتي الوحيدة ، التلوث وعوادم السيارات في المدينة أضر بمراحل من السجائر ، سأتوقف قريباً عندما تتحسن ظروفي .
بضربة سحرية واحدة من عصا التبرير، تحول السلوك القاتل (التدخين) من خطأ غبي إلى خيار فلسفي للاستمتاع بالحياة أو قدر محتوم لا مفر منه .
وبهذا، يختفي التنافر، ويسود الصمت المريح (والمخادع) في الرأس، ويعود الانسجام المزيف للنفس.
هذه الآلية لا تقتصر على العادات الصحية، بل تمتد لتشمل قراراتنا المالية، والعاطفية، والمهنية.
ليلى ، الموظفة التي تعاني من ضائقة مالية، والتي اشترت في لحظة ضعف فستاناً باهظ الثمن يفوق ميزانيتها الشهرية بكثير.
بمجرد خروجها من المتجر، ستشعر بوخز الضمير المالي وبدايات الندم. هذا هو التنافر: أنا بحاجة لتوفير المال ضد لقد بددت المال .
ولكي تحمي نفسها من شعور مؤلم بأنها مبذرة، ومتهورة، وغير مسؤولة ، سيبدأ عقلها فوراً في البحث عن أدلة تبرر الشراء وتحوله لعمل بطولي: إنه استثمار طويل الأمد، هذا الفستان ماركة أصلية وسيعيش سنوات ولن أحتاج لشراء غيره ، أنا أعمل بجد طوال الشهر وأستحق مكافأة لنفسي لأستمر ، كان عليه خصم 50%، لو لم أشتره لكنت خسرت الصفقة .
هي هنا تعيد صياغة الواقع لتتحول في نظر نفسها من مبذرة إلى مستثمرة ذكية أو مكافئة لذاتها .
التنافر المعرفي هو المحرك الخفي وراء معظم الحكايات والأساطير التي نرويها لأنفسنا عن أنفسنا، لنبدو دائماً أبطالاً أو ضحايا للظروف، لكن نادراً جداً ما نكون جناة .
التحيز للذات: لماذا أنا بطل قصتي دائماً؟
هل لاحظت يوماً مفارقة عجيبة في طريقة حكمنا على البشر؟
نحن نحكم على أنفسنا بناءً على نوايانا الخفية والطيبة، بينما نحكم على الآخرين بصرامة بناءً على أفعالهم الظاهرة ونتائجها.
إذا تأخرتُ أنا عن موعد مهم معك، فالسبب في نظري هو الزحام الخانق، والسيارة التي تعطلت، والمنبه الذي لم يرن (كلها ظروف خارجية قاهرة أعاقت نيتي الطيبة في الحضور).
أما إذا تأخرتَ أنت عني، فالسبب هو أنك شخص غير منظم، ومستهتر، ولا تحترم وقتي، ولا تقدر علاقتنا (حكم قاطع على شخصيتك وطباعك).
هذا التحيز المعرفي الشهير يسمى في علم النفس خطأ العزو الأساسي ، وهو أحد أقوى وأذكى أدوات حيل الدفاع النفسي التي يستخدمها العقل لحماية الأنا من التصدع والانهيار.
نحن نميل فطرياً لتفسير نجاحاتنا وإنجازاتنا على أنها نتيجة حتمية لذكائنا، وموهبتنا، ومجهودنا الخارق (عوامل داخلية: أنا رائع).
وتفسير إخفاقاتنا وفشلنا على أنها نتيجة لسوء الحظ، أو تعقيدات النظام، أو مؤامرات الآخرين، أو الظروف الجوية (عوامل خارجية: العالم ضدي).
الطالب الذي يحصل على درجة كاملة في الامتحان يقول بزهو: أنا ذاكرت بجد وأنا ذكي .
ونفس الطالب إذا رسب في مادة أخرى يقول بغضب: الأسئلة كانت تعجيزية ومن خارج المنهج، والمدرس يكرهني ويستقصدني .
اقرأ ايضا: لماذا نكرر أفعالًا نعرف مسبقًا أننا سنندم عليها؟
هذا التبرير يحمي الصورة الذاتية للطالب الذكي من الانهيار تحت وطأة الفشل.
إنه درع واقٍ يحمي هشاشتنا الداخلية من مواجهة حقيقة أننا ربما قصرنا أو لم نكن بالكفاءة المطلوبة.
المشكلة الكبرى في هذا الرجل الداخلي أنه يبالغ في الحماية لدرجة العمى.
عندما نرفض بشدة الاعتراف بالخطأ، ونلقي اللوم تلقائياً على الظروف والشماعات الخارجية، نحن نحرم أنفسنا من الدرس الثمين الذي يحمله كل خطأ.
الخطأ هو معلم قاسٍ لكنه صادق.
المدير الذي يبرر فشل مشروعه دائماً بكسل الموظفين أو سوء السوق أو قوانين الدولة، لن يتعلم أبداً كيف يطور استراتيجيته الإدارية أو يراجع قراراته.
الزوج الذي يبرر قسوته وعنفه اللفظي بأن زوجته استفزته أو أن يومه كان سيئاً ، لن يتعلم أبداً كيف يضبط انفعالاته ويتحمل مسؤولية كلماته.
التبرير العقلي مريح ودافئ كالوسادة الناعمة في ليلة باردة، لكنه مخدر خطير يمنعنا من الاستيقاظ على حقيقتنا التي تحتاج إلى ترميم وإصلاح.
الذاكرة الانتقائية: إعادة مونتاج شريط الحياة
أدهى وأخطر ما في ترسانة العقل من أسلحة دفاعية هو قدرته العجيبة على التلاعب بـ الذاكرة.
نحن نميل للاعتقاد بأن ذاكرتنا نميل للاعتقاد بأن ذاكرتنا مثل سجلٍّ حرفي للأحداث، تسجل الأحداث بدقة وموضوعية، وتحفظها في أرشيف الدماغ لنسترجعها كما هي تماماً.
لكن العلم الحديث يخبرنا بالحقيقة الصادمة: ذاكرتنا أقرب لـ رسام انطباعي أو أقرب إلى كاتب سردٍ يعيد ترتيب القصة مبدع، في كل مرة يستدعيها، ويضيف ألواناً، ويحذف تفاصيل، ويغير نبرات الصوت، بما يخدم الحالة النفسية الحالية ويحمي الكبرياء.
عندما نرتكب خطأً مخجلاً أو مؤلماً، يقوم العقل لا شعورياً بعملية إعادة ترتيب للحدث: يبرز جانباً ويخفي جانباً .
تخيل نقاشاً حاداً بين صديقين مقربين انتهى بقطيعة وخصام.
بعد عام كامل، لو سألت كل واحد منهما على حدة عما حدث في تلك الليلة، ستسمع قصتين مختلفتين تماماً، وكأنهما يتحدثان عن حدثين منفصلين.
الصديق الأول: سيتذكر بوضوح شديد ودقة الجمل الجارحة التي قالها الآخر، ونبرة صوته المستفزة، ونظراته المتعالية.
وسينسى تماماً، أو يخفف جداً، من حدة الجمل التي قالها هو، أو سيتذكرها في سياق أنها كانت رد فعل طبيعي ودفاعي .
الصديق الثاني: سيفعل العكس تماماً.
العقل يقوم بـ خداع الذات ببراعة مذهلة، فيهمش أخطاءنا ويجعلها تبدو صغيرة ومبررة، ويضخم أخطاء الخصم ويجعلها تبدو عدوانية وغير مبررة، ليجعلنا نشعر في النهاية أننا كنا الضحية البريئة وأن رد فعلنا كان دفاعاً مشروعاً عن الكرامة.
هذا التلاعب ليس كذباً متعمداً (فهم لا يكذبون بوعي)، بل هو إعادة تشكيل للواقع ليصبح قابلاً للاحتمال والهضم النفسي.
نحن نحتاج بشدة لأن نكون على حق ، لأن البديل -الاعتراف بأننا كنا ظالمين، أو أغبياء، أو أنانيين- مؤلم جداً للكبرياء ويهدد استقرارنا النفسي.
الذاكرة الانتقائية هي الممحاة السحرية التي تزيل البقع السوداء من ثوبنا الأبيض، لتتركنا نعيش في سلام كاذب مع ماضينا.
ولكن الثمن الفادح لهذا السلام هو أننا نكرر نفس الأنماط، وندخل في نفس الصراعات، ونخسر نفس الناس، لأننا لم نقرأ التاريخ الحقيقي لأخطائنا، بل قرأنا النسخة المزورة والمجمّلة التي كتبها وأخرجها محامينا الداخلي.
التأكيد المنحاز: البحث عن صدى صوتنا
آلية أخرى يستخدمها العقل لحماية قناعاته وتبرير أخطائه هي التحيز التأكيدي .
العقل البشري يكره الشك، ويكره أن يثبت له أحد أنه مخطئ.
لذلك، عندما نتبنى رأياً أو نتخذ قراراً (حتى لو كان خاطئاً)، يبدأ العقل فوراً في ارتداء نظارة مفلترة .
هذه النظارة تجعلنا نرى ونلتقط ونركز فقط على المعلومات والأدلة التي تؤكد صحة رأينا وتدعم قرارنا، وتجعلنا نتجاهل، أو ننسى، أو نشكك في أي معلومة تعارض رأينا.
الشخص الذي يؤمن بنظرية المؤامرة مثلاً، سيرى في كل خبر وكل حدث دليلاً يؤكد نظريته، وسيتجاهل آلاف الأدلة العلمية التي تنفيها.
الزوج الذي يشك في زوجته (ليبرر غيرته المرضية)، سيفسر كل همسة وكل حركة منها على أنها دليل إدانة، وسيتجاهل كل مواقف الوفاء.
نحن لا نبحث عن الحقيقة في العالم الخارجي، بل نبحث عن صدى صوتنا وعن مرآة تعكس ما نريد رؤيته.
هذا التحيز يجعلنا محبوسين داخل فقاعة من الوهم، نبرر فيها أخطاءنا الفكرية والسلوكية بأن كل الأدلة تدعمنا ، بينما في الحقيقة نحن من اخترنا الأدلة التي تعجبنا ورمينا الباقي.
في نهاية هذه المواجهة الصريحة مع ذواتنا، نصل إلى قناعة راسخة: إن ذلك الرجل الماهر الذي يسكن رؤوسنا، والذي لا يكل ولا يمل من صياغة المرافعات للدفاع عن زلاتنا، هو في حقيقته السجان الذي يحبس أرواحنا خلف قضبان الوهم.
إنه، بحجة حمايتنا من وخز الألم ومرارة الندم، يبني حولنا جداراً سميكاً يعزلنا عن النور، وعن الحقيقة، وعن لذة النمو والنضج.
إن التبرير المستمر هو المخدر الذي يقتل ضمائرنا ببطء، ويجعلنا نرى أخطاءنا الصريحة مجرد ردود أفعال اضطرارية فرضتها الظروف، فلا نعتذر إلا اعتذاراً باهتاً مشوباً بـ لكن ، ولا نتغير لأننا لا نرى في أنفسنا عوجاً يستحق التقويم.
اللحظة الفارقة في حياة الإنسان ليست حين يحقق نصراً خارجياً مدوياً، بل حين يمتلك الشجاعة الكافية ليمسك بعقله متلبساً وهو يحيك ثوباً جديداً من الأعذار، فيمزقه بلا تردد. حين تشعر بتلك الوخزة المباركة في قلبك بعد زلة لسان أو سوء تصرف، لا تهرع لإسكاتها بمسكنات التبرير.
قف ثابتاً، تجرع مرارة الموقف، وانطق بتلك الكلمات التي تتكسر عليها كبرياء النفس: أنا المخطئ.. وأنا وحدي أتحمل المسؤولية .
نعم، هذا الاعتراف العاري مؤلم، وقد يشعرك بالهشاشة والضعف في الوهلة الأولى، لكنه الألم الشافي الذي يطهر الجرح ليبرأ، لا الألم الذي يستر العلة لتستفحل.
في تلك اللحظة من الصدق القاسي، يسقط القناع المزيف عن وجه الملاك الذي لا يخطئ ، ليظهر وجه الإنسان الحقيقي؛
الكائن الذي جُبل على النقص، لكنه شُرف بالقدرة على التوبة والإصلاح.
إن قيمتنا لا تنبع من ادعاء كمالٍ لا نملكه، بل من نبل محاولاتنا لترميم ما هدمته أيدينا.
اقرأ ايضا: كيف تسيطر العادات الصغيرة على حياتك دون أن تشعر؟
فحين يصمت ضجيج الدفاع المستميت عن الذات، يعلو صوت الحكمة الهادئ ليخبرنا: أن تعيش بشراً يخطئ ويستغفر ويصلح، خير ألف مرة من أن تعيش تمثالاً أجوف، يلمع من الخارج، بينما ينخره السوس من الداخل.