لماذا نُقسو على أنفسنا أكثر مما يفعل أي عدو؟

لماذا نُقسو على أنفسنا أكثر مما يفعل أي عدو؟

مرآة الذات

في ليلة باردة من ليالي الشتاء، وقف كريم أمام المرآة في حمام منزله، يغسل وجهه بالماء البارد بعد يوم طويل وشاق مليء بالخيبات الصغيرة والمواقف المحرجة.

شخص يقف أمام مرآة بهدوء ويتأمل انعكاسه بتقبّل وطمأنينة
شخص يقف أمام مرآة بهدوء ويتأمل انعكاسه بتقبّل وطمأنينة

 رفع رأسه المبتل ونظر إلى انعكاسه في المرآة، لكنه لم يرَ وجهه المألوف الذي يعرفه الناس، بل رأى غريباً يمقته.

رأى التجاعيد الصغيرة التي بدأت تخط طريقها بوقاحة حول عينيه، رأى التردد والخوف القابع في عمق نظرته، ورأى كل القرارات الخاطئة والفرص الضائعة التي اتخذها طوال حياته تتجسد أمامه كأشباح تحاصره.

همس لنفسه بصوت مسموع ومخنوق:  لماذا أنت هكذا؟

 لماذا لا تستطيع أن تكون ذكياً وناجحاً مثل فلان؟

 متى ستتوقف عن ارتكاب نفس الحماقات؟ .

 كانت تلك اللحظة القاسية والحميمة هي تتويج لحرب باردة وشرسة استمرت سنوات طويلة بين كريم ونفسه.

 حرب صامتة لا يسمع ضجيجها أحد سواه، ولا يرى دمارها أحد غيره، لكنها تترك دماراً شاملاً في روحه كل يوم، وتستنزف طاقته التي كان يجب أن يوجهها للحياة.

نحن جميعاً، بلا استثناء، نحمل في داخلنا هذا الصوت، صوت  الناقد الداخلي   الذي لا يرحم ولا ينام.

 إنه ذلك الصوت الخفي الذي يذكرنا بأخطائنا المحرجة قبل أن ننام بثوانٍ، ويسخر من أحلامنا وطموحاتنا قبل أن نبدأ الخطوة الأولى، ويقارننا بقسوة بالآخرين في أوج نجاحهم ولمعانهم بينما نحن في أسوأ حالاتنا وانكسارنا.

نعيش في سجن ضيق من التبرير المستمر؛

نبرر لأنفسنا، ولأهلنا، وللعالم بأسره لماذا لم ننجح كما كان متوقعاً، ولماذا تصرفنا بتلك الطريقة الغبية، ولماذا نحن  ناقصون  ومعيبون.

 هذه الحاجة الملحة والمرضية للتبرير هي في الحقيقة صرخة استجداء طفولية للقبول.

 نحن نريد من أحد ما، أي أحد، أن يخبرنا أننا  كافون  ومقبولون كما نحن، بعيوبنا ونقصنا.

 لكننا نرتكب الخطأ القاتل بالبحث عن هذا القبول في الخارج، في عيون الناس ولايكات التواصل الاجتماعي، بينما المفتاح الحقيقي يكمن في الداخل، في تلك المنطقة المحظورة والموحشة التي نخاف دخولها: السلام مع الذات.

ليس استسلاماً للعيوب والرضا بالدونية، ولا هو نرجسية عمياء ترى النفس فوق النقد وفوق البشر.

 إنه حالة من  الهدنة  النبيلة والشجاعة.

 إنه اللحظة الفاصلة التي تقرر فيها بوعي تام أن تضع السلاح، وتتوقف عن محاكمة نفسك يومياً على جرائم لم ترتكبها، أو أخطاء ارتكبتها في الماضي وتعلمت منها ودفعت ثمنها.

إنه الانتقال الجذري من خانة  المتهم  المذنب الذي ينتظر الحكم والعقاب، إلى خانة  الصديق  الوفي الذي يقدم الدعم والمواساة.

في هذا المقال المطول، سنحاول استكشاف تلك المسافة الشائكة والملغومة بين ما نحن عليه في الواقع، وبين ما نريد أن نكون في الخيال، وكيف يمكننا عبور هذا الجسر الطويل ليس بجلد الذات والقسوة، بل بالفهم العميق والرحمة.

 إنها رحلة ضرورية للعودة إلى البيت، إلى تلك النفس التي هجرناها وظلمناها منذ زمن طويل بحثاً عن رضا الآخرين الذين لن يرضوا أبداً.

وهم النسخة المثالية: كسر الصنم الذهبي في العقل

أول وأخطر عدو يقف كسد منيع في طريق السلام مع الذات هو تلك  الصورة الذهنية  المزيفة التي رسمناها لأنفسنا، أو رسمها لنا المجتمع والأهل والإعلام.

 نحن نحمل في عقولنا  نسخة مثالية   من ذواتنا: نسخة لا تخطئ أبداً، لا تغضب، تنجز كل المهام في وقتها، محبوبة من الجميع، قوية الإرادة، ولا تعاني من أي ضعف أو خوف.

 وطوال حياتنا، نقيس  نسختنا الواقعية  البشرية والناقصة بهذه المسطرة الظالمة والمستحيلة. وكلما وجدنا فرقاً (وهو موجود دائماً)، عاقبنا أنفسنا بالقسوة، والشعور بالذنب، والاحتقار.

تخيل قصة  ليلى ، الأم الشابة التي تسعى للكمال في كل شيء.

 في عقل ليلى صورة للأم المثالية التي لا تصرخ أبداً في وجه أطفالها، وتطبخ أشهى الوجبات الصحية يومياً، ويبقى بيتها نظيفاً ولامعاً كالمرآة، وتحافظ على أناقتها وعملها.

 لكن الواقع اليومي مليء بالفوضى، والتعب، وصراخ الأطفال، والوجبات السريعة أحياناً.

 في كل مرة تفقد أعصابها وتصرخ، أو تترك الأطباق لليوم التالي، تشعر بـ  جلد الذات  يمزقها من الداخل.

تقول لنفسها:  أنا أم فاشلة، انظري لفلانة كيف تسيطر على حياتها .

المشكلة الحقيقية ليست في ليلى، ولا في قدراتها، بل في  الصنم  المثالي الذي تعبده دون وعي.

الحقيقي يبدأ بتهشيم هذا الصنم الذهبي.

 يبدأ بالاعتراف الشجاع والمحرر بأن  الكمال  ليس صفة بشرية، بل هو وهم تجاري يسوق لنا لكي نظل نركض في عجلة الاستهلاك والمقارنة والشراء لنغطي نقصنا المزعوم.
القبول الذاتي  يعني أن تحتضن بشريتك بكل ما فيها من تناقض ونقص.

 أن تقبل، بقلب مطمئن، أنك قد تكون ذكياً ومبدعاً في شيء وغبياً وساذجاً في شيء آخر، كريماً في موقف وبخيلاً في آخر، قوياً وصلباً اليوم وضعيفاً وهشاً غداً.

هذا التناقض هو جوهر الإنسان، وهو ما يجعلنا بشراً لا ملائكة ولا آلات.

عندما تتوقف عن محاولة أن تكون  ملاكاً  منزهاً أو  بطلاً خارقاً  لا يتعب، وتبدأ في قبول حقيقة أنك مجرد  إنسان يحاول  ويصيب ويخطئ، ينزاح جبل ثقيل جداً عن صدرك.

 السلام الداخلي لا يأتي من اختفاء العيوب (فهي لن تختفي تماماً)، بل يأتي من التوقف عن  الحرب  معها.

إنه القول للنفس بصدق:  نعم، أنا أملك هذا العيب (العصبية مثلاً)، وأنا أعمل بجد على تحسينه، لكنني لا أكره نفسي كلياً بسببه، ولا أسمح له بتعريف هويتي الكاملة .

لغة الرحمة: تغيير الحوار الداخلي المسموم

كيف تتحدث مع صديقك المقرب جداً عندما يقع في ورطة أو يرتكب خطأً فادحاً؟

تخيل أن صديقك رسب في امتحان مهم أو خسر مبلغاً من المال.

هل ستقف أمامه وتقول له:  أنت غبي وفاشل وتستحق ما جرى لك، لن تنجح أبداً ؟
بالطبع لا، هذا وحشي وغير إنساني.

ستقول له بحنان:  لا بأس يا صديقي، الجميع يخطئ، هذا درس مؤلم لكنك ستتجاوزه، أنت ذكي وستعوض ما فاتك .
السؤال المؤلم هنا: لماذا عندما نقع نحن في نفس الورطة، نتحول فجأة إلى جلادين قساة؟

 لماذا لغتنا مع أنفسنا قاسية، وجارحة، ومهينة، ومليئة بالسموم؟

الكلمات التي نقولها لأنفسنا في سرنا تشكل واقعنا النفسي وتحدد مستوى ثقتنا واستحقاقنا.

 التحرر النفسي  يبدأ بتغيير قاموسك الداخلي.

راقب حوارك مع ذاتك لمدة يوم واحد فقط، وستفاجأ وتصدم بكمية السموم والأحكام القاسية التي تبثها في روحك دون أن تشعر.
 أنا لا أصلح لشيء ،  شكلي قبيح وسمين ، الجميع أفضل وأذكى مني ، كان يجب أن أعرف.
هذه ليست حقائق مطلقة، هذه  أحكام  قاسية وغير عادلة أصدرها قاضٍ ظالم ومكتئب بداخلك، وصدقتها أنت مع التكرار.

اقرأ ايضا: لماذا نخاف من مواجهة أنفسنا أكثر من مواجهة العالم؟

السلام يتطلب عزل هذا القاضي واستبداله بـ  مراقب رحيم  ومحايد.

بدلاً من أن تقول:  أنا فاشل  (وهو حكم مطلق على الهوية)، قل:  لقد فشلت في هذه التجربة المحددة، وسأتعلم منها للمرة القادمة  (وهو وصف للسلوك).

 الفرق بين الجملتين هائل كالفرق بين السماء والأرض.

 الجملة الأولى تضرب الهوية وتدمر الثقة، والثانية تصف السلوك وتفتح باب الأمل والتحسين.
النضج العاطفي هو القدرة على الفصل الجراحي الدقيق بين  من أنا  (جوهر الإنسان المكرم) وبين  ماذا فعلت  (السلوك البشري المتغير).

أنا لست خطئي، ولست مشاعري العابرة، ولست إنجازاتي أو إخفاقاتي.
عندما تبدأ في التحدث مع نفسك بنفس اللطف، والاحترام، والأدب الذي تتحدث به مع ضيف غريب أو زميل عمل، ستبدأ جروحك الداخلية العميقة في الالتئام.

الرحمة بالذات ليست  دلعاً  أو تسيباً كما يظن البعض، بل هي الصلابة الحقيقية والمرونة النفسية التي تمكنك من النهوض بعد السقوط، لأنك تعلم أن هناك يداً (يدك أنت) ستمتد لتساعدك لا لتضربك.

التحرر من محكمة الآخرين: لا داعي للشرح والتبرير

جزء كبير وضخم من معاناتنا وعدم تصالحنا مع ذواتنا ينبع من  محكمة الآخرين  التي نصبناها في عقولنا وأعطيناها مطرقة الحكم.

نحن نقضي نصف عمرنا القصير نبرر قراراتنا للناس، ونشرح دوافعنا لمن لا يهتم، ونعتذر عن وجودنا واختياراتنا.

 نخاف حتى الموت أن يُساء فهمنا، فنبالغ في الشرح والتوضيح.

 نخاف أن نُرفض أو نُنبذ، فنبالغ في التواضع المزيف أو التصنع ولبس الأقنعة.

هذا العبء الثقيل يمنعنا من السلام مع حقيقتنا، لأننا دائماً نراها بعيون الآخرين لا بعيوننا.

لنتأمل قصة  سعيد ، الفنان الموهوب الذي ترك وظيفته المرموقة والآمنة في  ترك وظيفته المرموقة والآمنة في شركة ليتفرغ للرسم

 عاش سعيد سنوات طويلة وهو يشعر بالذنب والتوتر تجاه نظرات عائلته ومجتمعه التقليدي.

كان يقضي كل جلسة عائلية يبرر لهم بصوت مهتز أن الفن مهنة محترمة، وأن المال ليس كل شيء، وأن السعادة أهم.

 كان في حالة حرب دفاعية دائمة لإثبات صحة خياره لمن لا يريدون أن يفهموا.
السلام الحقيقي والعميق حدث عندما توقف سعيد فجأة عن الشرح.

عندما أدرك بوضوح الشمس أن حياته ملك له وحده، وأن نتائج قراراته سيتحملها هو وحده، وأن  فهم الآخرين  له ليس واجبه، بل هو خيارهم ومسؤوليتهم.

 تقدير الذات  الحقيقي يعني أن تمنح نفسك  الحق في الوجود  كما أنت، بأفكارك، وميولك، واختياراتك الغريبة، دون الحاجة لختم موافقة أو تصديق من أحد.

 يعني أن تتخذ قراراتك بناءً على بوصلتك الداخلية وقيمك الخاصة، وتتحمل مسؤوليتها بشجاعة (سواء نجحت أو فشلت)، دون أن تنتظر التصفيق من الجمهور.
عندما تتوقف عن استجداء القبول،  وتتوقف عن مجاراة الآخرين على حساب نفسك .

، يأتيك القبول طواعية وبشكل عجيب، لأن الناس بفطرتهم يحترمون ويهابون الشخص الذي يحترم نفسه ويقدرها، حتى لو اختلفوا معه.

السلام هو أن تقف بثبات وتقول:  هذا أنا، بكل ما في من مزايا وعيوب، خذني كما أنا أو اتركني، وفي الحالتين أنا بخير ومتصالح . هذا  الاستغناء  النفسي هو قمة الحرية والقوة.

المصالحة مع الطفل الداخلي: العودة للجذور

لا يمكن الحديث عن السلام مع الذات دون الحديث عن  الطفل الداخلي .

 كل واحد منا يحمل في داخله طفلاً صغيراً توقف نموه العاطفي عند لحظة صدمة، أو خذلان، أو نقد جارح تعرض له في صغره.

 هذا الطفل هو مصدر مشاعرنا بالخوف، وعدم الأمان، والرغبة في الإرضاء.

 عندما تقسو على نفسك اليوم، أنت في الحقيقة تكرر نفس القسوة التي ربما تعرضت لها كطفل، أو التي تخيلت أنك تستحقها.

يتطلب منك أن تقوم بدور  الأب الصالح  أو  الأم الحنون  لهذا الطفل القابع بداخلك.

تخيل نفسك صغيراً، خائفاً، أو مخطئاً.

 هل ستصرخ في وجهه؟

 أم ستحتضنه وتقول له:  لا تخف، أنا هنا معك، سأحميك، وأنت لست مضطراً لأن تكون مثالياً لتكون محبوباً ؟
ممارسة هذا النوع من التخيل والحديث الداخلي يذيب جبالاً من الجليد والقسوة المتراكمة عبر السنين.

 إنه يعيد ترميم الثقة الأساسية في النفس التي ربما تهشمت مبكراً.

 عندما تشعر بالخوف أو التوتر، لا تقمعه، بل اسأل نفسك: ما الذي يخيف الطفل بداخلي الآن؟

 وطمئنه كما تطمئن ابنك.

القبول الجذري: لا يعني الركود

أحد المفاهيم الخاطئة التي تجعل الناس يرفضون فكرة السلام مع الذات هو الخوف من أن يؤدي ذلك إلى الكسل، والركود، والتوقف عن التطور.

يقولون:  لو قبلت نفسي كما أنا بوزني الزائد أو بعصبيتي، فلن أتغير أبداً .

 وهذا فهم مغلوط تماماً لآلية التغيير النفسي.
في علم النفس، هناك مفارقة عجيبة تسمى  مفارقة التغيير :  نحن لا نستطيع تغيير ما نرفضه أو نكرهه، نحن نتغير فقط عندما نقبل أنفسنا كما نحن أولاً .

الكراهية والرفض يولدان مقاومة داخلية.

 عندما تكره نفسك لأنك  مدخن  أو  فوضوي ، فإنك تستهلك طاقتك في هذا الكره والشعور بالعار، مما يضعفك ويدفعك للمزيد من التدخين أو الفوضى كهروب.

أما  القبول ، فيعني أن تقول:  أنا أقبل أنني حالياً أعاني من هذه المشكلة، وهذا لا يجعلني شخصاً سيئاً، وبناءً على حبي لنفسي ورغبتي في الأفضل لها، سأبدأ في التغيير بهدوء .
التغيير النابع من  الحب  والرغبة في النمو، هو تغيير مستدام وحقيقي.

 أما التغيير النابع من  الخوف  وكره الذات، فهو تغيير مؤقت وهش وسرعان ما ننتكس عنه.

السلام مع الذات هو الأرضية الصلبة التي نبني عليها ناطحات سحاب طموحنا.

 لا يمكنك بناء شيء عظيم على أرضية من الكراهية والاحتقار.

في نهاية المطاف، وبعد رحلة طويلة من الغوص في أغوار النفس، نقف أمام حقيقة وجودية دامغة لا تقبل الجدال: علاقتك بذاتك هي أطول قصة حب –أو حرب– ستعيشها، منذ صرختك الأولى في المهد وحتى زفرتك الأخيرة.

كل من حولك، مهما اقتربوا وتداخلت أرواحهم بروحك، هم  رفاق سفر  لمراحل محددة؛

 الأصدقاء قد تفرقهم الدروب، والأحباب قد تغيرهم الأيام، والأبناء سيبنون أعشاشهم بعيداً، لكنك  أنت  ستبقى وحيداً مع  نفسك  في ظلمة الليالي، وفي زحام النهار، وفي لحظات الانكسار والانتصار.

فيا ترى، بأي وجه تريد أن تقطع هذه المسافة الطويلة؟

هل ترضى أن تقضي عمرك مقيداً إلى  سجان  قاسٍ يسكن أضلاعك، يجلدك بسوط النقد اللاذع عند كل زلة، ويحصي عليك أنفاسك، ويسخر من تعثرك؟

 أم تختار أن تكون بصحبة  رفيق  حنون، يربت على كتفك حين يخذلة الجميع، ويمسح عنك غبار الطريق، ويهمس في أذنك حين تضيق الدنيا:  لا بأس، نحن نحاول، وسنصل ؟

الخيار ليس ضربة حظ، بل هو قرار واعٍ يتجدد مع شروق كل شمس.

إن السلام الداخلي ليس وساماً تعلقة على صدرك مرة واحدة وينتهي الأمر، ولا هو حالة ملائكية من الكمال المستحيل؛ بل هو  عبادة يومية  وجهاد ناعم ومستمر.

 هو تلك اللحظة الصادقة التي تقف فيها أمام المرآة، فترى الندوب والتجاعيد والضعف البشري، وبدلاً من أن تشيح بوجهك اشمئزازاً، تبتسم برضا وتقول:  هذا أنا، وهذا تاريخي، وأنا فخور بصمودي .

 هو أن تصفح عن سذاجة ماضيك لأنك كنت حينها تحارب بأسلحة وعيٍ بسيط، وأن تقدر كفاح حاضرك لأنك تجاهد بما أوتيت من قوة.

لا تعلق حبك لذاتك على شماعة الغد، ولا تربطه بشرط:  حين أنحف ، أو حين أغتني ، أو  حين أنجح .

فالنفس البشرية ليست آلة تعمل بالوقود المشروط، بل هي كالنبتة الغضة؛

لا تزهر إلا في تربة القبول، ولا تورق إلا بماء الرحمة وضوء التشجيع، بينما تذبل وتموت في صقيع الرفض وعتمة القسوة.

كن أنت الوالد الشفيق والراعي الأمين لطفلك الداخلي؛

اقرأ اضيا: لماذا تشعر بالفراغ رغم أنك حققت كل ما يُتوقع منك؟

كفكف دمعه، وضمد جراحه، وصالح تلك الروح المنهكة بكلمات دافئة تأخرت كثيراً.

 وحين تضع الحرب أوزارها بينك وبين نفسك، ستكتشف أن الكون بأسره قد تغير لونه، وأن المرآة التي طالما خوفتك، باتت تعكس وجهاً مشرقاً ومطمئناً، يشبه وجه صديق قديم عاد بعد طول غياب.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال