لماذا نخاف أن يرانا الآخرون على حقيقتنا؟

لماذا نخاف أن يرانا الآخرون على حقيقتنا؟

مرآة الذات


إنسان يخلع قناع القوة ويواجه هشاشته الداخلية بصدق
إنسان يخلع قناع القوة ويواجه هشاشته الداخلية بصدق

تقف أمام المرآة صباحاً، تغسل وجهك بالماء البارد، وترسم تلك الابتسامة المتقنة التي تدربت عليها لسنوات، ثم تخرج لتواجه العالم وكأنك جبل لا تهزه ريح.

 في داخلك عواصف من القلق، وشكوك تنهش يقينك، ورغبة عارمة في البكاء أو الصراخ، لكنك تختار الصمت والتماسك، وتبتلع غصتك لتبدو  بطلاً  في نظر الجميع.

 هذا المشهد الصامت والمتكرر في حياة الملايين منا يطرح سؤالاً مؤلماً: لماذا نخشى أن يرانا الآخرون 

على حقيقتنا؟

 لماذا أصبح الاعتراف بالضعف وصمة عار نحاول تجنبها بأي ثمن، حتى لو كان هذا الثمن هو احتراقنا الداخلي ببطء؟

نحن نعيش في مجتمع يمجد الصلابة الظاهرية ويعتبر الدموع ضعفاً، والشك تراجعاً، مما يدفعنا لبناء قلاع حصينة حول قلوبنا، نحبس فيها مخاوفنا ونمنع أي أحد من الاقتراب منها، حتى ننسى مع الوقت

من نحن حقاً خلف تلك الدروع الثقيلة.

المشكلة ليست في أننا نشعر بالضعف، فالضعف جزء أصيل من تكويننا البشري، بل المشكلة تكمن 

في الجهد الهائل الذي نبذله لإنكار هذا الضعف وتجميله.

 نرتدي أقنعة  أنا بخير  و الأمور تحت السيطرة  ونحن ندرك في قرارة أنفسنا أن السفينة تغرق،

 لكننا نفضل الغرق بصمت وكبرياء على أن نمد يدنا لطلب المساعدة.

 هذا الانفصام بين حقيقتنا الداخلية الهشة وصورتنا الخارجية الصلبة يخلق شرخاً نفسياً عميقاً،

 ويستنزف طاقتنا الحيوية في  تمثيل  دور القوي بدلاً من عيش الحياة بصدق وتلقائية.

جذور الخوف من الانكشاف العاطفي

نحن لا نولد ونحن نخفي مشاعرنا؛ الطفل يبكي بصوت عالٍ حين يجوع، ويضحك بملء شدقيه حين يفرح، 

دون أدنى اكتراث لرأي العالم فيه.

 هذه التلقائية الفطرية تبدأ بالتآكل تدريجياً مع أولى رسائل البرمجة الاجتماعية التي نتلقاها:

الرجال لا يبكون ،  كوني قوية ولا تظهري ضعفك ،  احتفظ بمشاكللك لنفسك .

 نكبر ونحن نحمل قناعة راسخة بأن مشاعرنا الحقيقية، خاصة تلك المتعلقة بالألم أو الخوف أو الاحتياج،

 هي  عورة  يجب سترها.

 يتحول الضعف في قاموسنا من حالة إنسانية طبيعية إلى  خطيئة  اجتماعية تستوجب العقاب أو النبذ، فنتعلم فن الكبت، ونصبح محترفين في بناء الجدران العازلة التي تحمينا من أحكام الآخرين، 

لكنها في الوقت نفسه تعزلنا عن التواصل الإنساني الحقيقي والدافئ.

الخوف من الظهور بمظهر الضعيف يرتبط ارتباطاً وثيقاً بغريزة البقاء البدائية؛ في الغابة، الحيوان الذي يظهر إصابته يصبح فريسة سهلة.

 ورغم أننا غادرنا الغابة وبنينا المدن، إلا أن عقلنا البدائي لا يزال يهمس لنا بأن  الانكشاف يعني الخطر .

 في بيئات العمل التنافسية، وفي العلاقات الاجتماعية القائمة على المظاهر، نشعر أن إظهار أي ثغرة في درعنا قد يُستغل ضدنا، أو قد يقلل من احترام الناس لنا ومكانتنا بينهم.

 نخشى أن يُنظر إلينا بعين الشفقة، أو أن يُشكك في كفاءتنا وقدرتنا على القيادة وتحمل المسؤولية، فنلجأ للمبالغة في إظهار القوة والسيطرة كآلية دفاعية استباقية لنقول للعالم:  أنا لا أُقهر ،

 بينما نحن في الحقيقة نرتجف خوفاً من الداخل.

هذا السعي المحموم نحو الكمال والقوة الظاهرية يخلق حالة من  العزلة الوجدانية .

 حين تقدم نفسك للناس دائماً بصورة البطل الذي لا يحتاج شيراً، 

فإنك تحرمهم من فرصة التعاطف معك أو مساعدتك، وبالتالي تحرم نفسك من نعمة الدعم الاجتماعي.

 يصبح أصدقاؤك وأحباؤك غرباء عن حقيقتك، يحبون  الصورة  التي رسمتها لهم، لا  الشخص  الحقيقي

 الذي يختبئ خلفها.

 تجد نفسك محاطاً بالناس لكنك تشعر بوحدة قاتلة، لأن لا أحد منهم يعرف ما يدور في رأسك حقاً، 

ولا أحد يجرؤ على سؤالك كيف حالك بصدق؟

لأنك أقنعتهم بأنك دائماً بخير.

 هذه العزلة هي الثمن الباهظ الذي ندفعه مقابل شرائنا لوهم القوة، وهو ثمن يخصم من رصيد صحتنا النفسية وسعادتنا كل يوم.

إضافة إلى ذلك، فإن الخوف من الانكشاف يجعلنا نعيش في حالة توتر دائم ومراقبة مستمرة للذات.

 نزن كل كلمة، ونحسب كل حركة، ونراقب تعبيرات وجوهنا في المرآة لنتأكد من عدم تسرب أي  دليل 

على ضعفنا.

 هذا الجهد الذهني الهائل يستنزف مواردنا المعرفية ويقلل من قدرتنا على الإبداع والاستمتاع بالحياة.

 نصبح سجناء لدور  الشخص القوي  الذي فرضناه على أنفسنا، ونخاف من لحظة التخلي عنه ولو قليلاً، خشية أن ينهار البناء كله.

 الحقيقة المؤلمة هي أن الناس غالباً لا يكترثون لضعفنا بقدر ما نتوهم، بل إنهم قد يجدون في ضعفنا جسراً للتواصل، لأنهم يرون فيه انعكاساً لضعفهم الخاص، مما يجعل العلاقة أكثر عمقاً وصدقاً وإنسانية.

الشفاء من هذا الخوف يبدأ بإدراك أن الهشاشة ليست نقيضاً للقوة، بل هي الوجه الآخر للشجاعة.

 يتطلب الأمر شجاعة هائلة لتقف أمام شخص آخر وتقول له:  أنا خائف  أو  لقد تأذيت .

 هذه اللحظات من الصدق العاري هي التي تبني الثقة الحقيقية وتمتن العلاقات.

 عندما نسمح لأنفسنا بأن نكون مرئيين بضعفنا ونقصنا، فإننا نتحرر من ثقل الأقنعة، ونمنح الإذن للآخرين

 بأن يفعلوا المثل.

 نكتشف حينها أننا لسنا وحدنا في معاناتنا، وأن الضعف الذي كنا نخفيه بخجل هو في الحقيقة القاسم المشترك الذي يجمع البشرية كلها في نسيج واحد من الألم والأمل.

أسطورة  أنا بخير  والإنكار المدمر

كلمة  بخير  هي الكذبة الأكثر شيوعاً في العالم، نرددها آلياً عشرات المرات يومياً رداً على سؤال  كيف الحال؟

، حتى ونحن نغلي من الداخل أو نتمزق ألماً.

 لقد تحولت هذه الكلمة من وصف للحال إلى  شيفرة اجتماعية  تعني:  لا أريد الحديث عن مشاعري، 

ولن أزعجك بتفاصيلي .

 هذا الاستخدام المفرط للإنكار كاستراتيجية للتعايش يخلق فجوة متزايدة الاتساع بين واقعنا النفسي 

وبين ما نعترف به لأنفسنا وللآخرين.

 نحن لا نكذب على الآخرين فقط، بل نبدأ بمرور الوقت في الكذب على أنفسنا، ونقنع ذواتنا بأننا فعلاً بخير، 

وأن تلك الآلام التي نشعر بها مجرد أوهام أو تعب عابر سيزول مع الوقت، متجاهلين إشارات الاستغاثة 

التي يطلقها جسدنا وروحنا.

الإنكار المستمر للمشاعر السلبية لا يجعلها تختفي، بل يدفعها إلى  السراديب المظلمة  في عقلنا الباطن، حيث تنمو وتتضخم بعيداً عن ضوء الوعي.

 المشاعر المكبوتة طاقة، والطاقة لا تفنى ولا تستحدث من عدم، بل تتحول.

اقرأ ايضا: لماذا نقسو على أنفسنا أكثر مما يقسو علينا العالم؟

 الغضب المكبوت قد يتحول إلى اكتئاب، والحزن المؤجل قد يظهر في صورة أمراض جسدية مزمنة كالصداع النصفي أو القولون العصبي، والخوف المكبوت قد ينفجر في نوبات هلع مفاجئة بلا سبب ظاهر.

 جسدنا يحتفظ بالسجل كاملاً، ويدفع الفاتورة نيابة عن لساننا الصامت.

 عندما نرفض الاعتراف بضعفنا ونصر على لعب دور القوي، نحن في الحقيقة نزرع قنبلة موقوتة داخلنا، وننتظر بصمت لحظة الانفجار التي قد تكون مدمرة لكل ما بنيناه.

ثقافة الإنكار هذه تغذيها وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مرعب، حيث نرى الجميع يعيشون  حياة مثالية  خالية من المشاكل والأحزان.

 صور السفر، والنجاحات المهنية، والعلاقات الرومانسية الرائعة، تخلق لدينا شعوراً بالنقص وبأننا  الوحيدون  الذين يعانون.

 هذا الضغط للمقارنة يدفعنا لمزيد من التظاهر، فننشر صوراً سعيدة ونحن في قمة التعاسة، لنثبت للعالم (ولأنفسنا) أننا جزء من هذا النادي الناجح والسعيد.

 نعيش حياة مزدوجة؛ حياة لامعة على الشاشة، وحياة رمادية خلفها، وهذا التناقض يغذي شعورنا بالزيف وعدم الاستحقاق، ويجعل لحظات صدقنا مع أنفسنا نادرة ومؤلمة، لأنها تكشف لنا حجم الهوة التي سقطنا فيها.

الخروج من دوامة  أنا بخير  يتطلب إعادة تعريف علاقتنا بمشاعرنا السلبية.

 علينا أن نتعلم أن الحزن ليس عدواً يجب هزيمته، بل هو ضيف يحمل رسالة، وأن القلق ليس ضعفاً،

 بل هو جرس إنذار يشير لشيء يهمنا.

 السماح للنفس بالشعور بالألم ومعايشته هو الخطوة الأولى للشفاء منه وتجاوزه.

 بدلاً من قمع المشاعر، يجب أن نتعلم كيفية  الجلوس معها  والإنصات لما تحاول قوله لنا.

 الاعتراف بأنك  لست بخير اليوم  هو فعل مقاومة نبيل في وجه ثقافة الزيف، 

وهو تصريح حرية يمنحك الحق في أن تكون إنساناً كاملاً، بمشاعرك المتقلبة وأيامك السيئة والجيدة على حد سواء.

وهم السيطرة المطلقة على الحياة

جزء كبير من رغبتنا في الظهور بمظهر الأقوياء ينبع من وهم كبير نعيشه، وهو وهم أننا نستطيع السيطرة على كل مجريات حياتنا.

 نعتقد خطأً أن الشخص القوي هو الذي يمسك بزمام كل شيء، الذي يخطط وينفذ ولا يسمح للظروف بمباغتته.

 نرى في المفاجآت غير السارة فشلاً شخصياً، وفي تقلبات القدر ضعفاً في التخطيط، فنحمل أنفسنا مسؤولية أشياء خارجة تماماً عن إرادتنا.

 هذا السعي المحموم للسيطرة هو في جوهره خوف عميق من المجهول، ومحاولة يائسة لترويض مستقبل لا يملكه أحد.

 القوة الزائفة هنا تتجلى في رفضنا للمرونة، وفي إصرارنا على أن تسير الأمور  كما نريد  بالضبط، مما يجعلنا كالأغصان اليابسة التي تكسرها الريح لأنها لا تنحني.

عندما نربط قوتنا بقدرتنا على السيطرة، نضع أنفسنا في مواجهة خاسرة مع قوانين الوجود.

 الحياة بطبيعتها فوضوية، متغيرة، وغير متوقعة.

 المرض، الفقد، الأزمات الاقتصادية، الكوارث الطبيعية؛ كلها تذكيرات قاسية بمدى ضآلة سيطرتنا الفعلية.

 الشخص الذي يبني صورته الذاتية على فكرة  أنا المسيطر  ينهار تماماً عند أول صدمة حقيقية،

 لأنه لا يملك أدوات التعامل مع العجز.

 هو لا يعرف كيف يستسلم، كيف يفوض أمره، أو كيف يتقبل الهزيمة المؤقتة.

 يرى في العجز إهانة، وفي طلب العون انكساراً، فيقاوم التيار حتى يغرق، بدلاً من أن يتعلم كيف يطفو ويساير الموج حتى يصل إلى بر الأمان.

القوة الحقيقية، تلك التي لا تحتاج لضجيج أو ادعاء، تكمن في  التسليم  الواعي.

 التسليم ليس استسلاماً سلبياً أو يأساً، بل هو حكمة الاعتراف بحدود قدرتنا البشرية.

 هو أن تفعل كل ما بيدك، ثم تترك النتائج للظروف وللمشيئة الإلهية بقلب مطمئن.

 القوي الحقيقي هو الذي يعرف متى يقاتل ومتى يتراجع، متى يمسك بالمقود بقوة ومتى يتركه قليلاً ليرتاح.

 إنه يتصالح مع فكرة أن  عدم السيطرة  هو الحالة الطبيعية للكائنات الفانية، وأن الأمان لا يأتي من التحكم في الخارج، بل من السلام في الداخل، ومن الثقة بأننا نملك المرونة الكافية للتعامل مع أي شيء تلقيه الحياة في طريقنا.

الدور الخفي للكبرياء الجريح

تحت طبقات ادعاء القوة، يختبئ وحش صغير يسمى  الكبرياء .

 كثيراً ما يكون رفضنا للاعتراف بالضعف ليس خوفاً من الآخرين فحسب، بل هو  أنفة  ورفض داخلي لأن نرى أنفسنا في موضع انكسار.

 لقد بنينا، عبر سنوات من النجاحات والإنجازات، صورة ذاتية  مقدسة  لأنفسنا كأشخاص لا يُهزمون،

 وأصبح أي خدش في هذه الصورة يسبب لنا ألماً نرجسياً لا يطاق.

 الكبرياء يهمس لنا:  كيف تطلب المساعدة وأنت الذي يساعد الجميع؟ ،  كيف تعترف بالفشل وأنت القدوة؟.

 هذا الصوت الداخلي هو السجان القاسي الذي يمنعنا من النزول من على القاعدة العالية التي وضعنا أنفسنا عليها، ويحكم علينا بالوحدة في القمة الباردة.

الكبرياء يجعلنا نفسر  الاحتياج  على أنه إهانة.

 نرى في الاعتماد المتبادل ضعفاً، ونفضل أن نعاني بصمت على أن نكون  عبئاً  على أحد، أو أن نعطي فرصة لأحد ليرى دمعتنا.

 هذا النوع من الاستقلال المرضي هو في الحقيقة شكل من أشكال  الاعتمادية العكسية ، 

حيث نعتمد على صورتنا الذاتية المتضخمة لنشعر بالأمان، بدلاً من الاعتماد على الروابط الإنسانية الطبيعية.

 نحن نرفض الحب غير المشروط، ونشعر أننا لا نستحق الحب إلا إذا كنا أقوياء ومنجزين ومثاليين.

 الكبرياء يمنعنا من تلقي الحب في لحظات ضعفنا، وهي اللحظات التي نكون فيها بأمس الحاجة إليه، 

وبأكثر حالاتنا استحقاقاً له لكوننا بشراً فقط، لا لكوننا أبطالاً.

علاج هذا الكبرياء الجريح يتطلب قدراً كبيراً من  التواضع الوجودي .

 التواضع هنا لا يعني الذل، بل يعني رؤية النفس بحجمها الحقيقي؛ لا أكبر ولا أصغر.

 يعني الاعتراف بأننا، مهما بلغت قوتنا وعلمنا ومالنا، نظل كائنات هشة تحتاج للماء والهواء والحب والأمان.

 التواضع يسمح لنا بقبول محدوديتنا دون خجل، وبالنظر إلى أخطائنا كفرص للتعلم لا كوصمات عار.

 عندما يتواضع الإنسان، يسقط عنه ثقل الحفاظ على الصورة المثالية، ويصبح خفيفاً، حقيقياً،

 وقريباً من قلوب الناس.

 الناس لا يحبون التماثيل الرخامية الباردة، بل يحبون البشر من لحم ودم الذين يشاركونهم نفس المخاوف والآمال.

من الممارسات العملية لكسر هذا الكبرياء هو  الامتنان للمساعدة .

 بدلاً من رفض العون أو الشعور بالحرج منه، حاول أن تتقبله بامتنان وتقدير.

 انظر للمساعدة كهدية من الكون، وكفرصة للطرف الآخر ليمارس كرمه وإنسانيته.

 السماح للآخرين بمساعدتك هو في حد ذاته نوع من العطاء؛ أنت تمنحهم شعوراً بالقيمة والأهمية

 في حياتك.

 تبادل الأدوار بين  المانح  و المستقبل  هو جوهر العلاقات الصحية، والجمود في دور  المانح القوي 

 فقط هو خلل يكسر توازن الأخذ والعطاء ويؤدي للجفاف العاطفي.

تحويل الهشاشة إلى قوة دافعة

في نهاية المطاف، نصل إلى حقيقة مغايرة لكل ما تعلمناه: الهشاشة ليست نقيض القوة، بل هي مهدها.

 القوة الحقيقية تولد من رحم الاعتراف بالضعف، والإبداع يولد من رحم المعاناة، والتواصل العميق يولد 

من رحم الانكشاف الصادق.

 عندما نتوقف عن استنزاف طاقتنا في إخفاء حقيقتنا، تتحرر هذه الطاقة لتُستخدم في البناء والنمو والإبداع.

 الشخص الذي يتصالح مع هشاشته يملك  مناعة نفسية  أقوى بكثير من ذلك الذي يختبئ خلف الدروع، 

لأنه لا يخشى شيراً؛ لقد واجه أسوأ مخاوفه (أن يُرى ضعيفاً) واكتشف أنه لا يزال محبوباً ومقبولاً وحياً.

تخيل عالماً لا نضطر فيه للكذب بشأن مشاعرنا، عالماً نتبادل فيه قصص فشلنا بفخر كما نتبادل قصص نجاحنا، عالماً نرى فيه الدموع دليلاً على الشجاعة والقلب الحي، لا دليلاً على الانكسار.

 هذا العالم ليس يوتوبيا مستحيلة، بل هو واقع يمكننا خلقه بداية من أنفسنا، ومن دوائرنا الصغيرة.

 كن أنت البادئ؛ كن الشجاع الذي يخلع القناع أولاً، والذي يقول  أنا لست كاملاً، وهذا جميل .

 ستفاجأ بحجم الراحة التي ستشعر بها،

 وبحجم الامتنان الذي ستراه في عيون من حولك لأنك منحتهم الإذن الضمني ليكونوا حقيقيين أيضاً.

القوة التي نحب أن نظهر بها هي  قوة الحجر ، صلبة لكنها ميتة وقابلة للكسر.

 أما القوة التي يجب أن نسعى إليها فهي  قوة الماء ، مرنة، شفافة، تنساب مع العقبات ولا تتصادم معها، لكنها قادرة بمرور الوقت على نحت الصخر وتغيير معالم الأرض.

 كن كالماء؛ لا تخجل من انسيابك، ولا تخف من تغيير شكلك، ففي مرونتك تكمن قوتك الأبدية، وفي صدقك يكمن سر جاذبيتك وتأثيرك.

اقرأ ايضا: لماذا نكرر نفس الأخطاء ونحن نعرف حقيقتها جيدًا؟

 الحياة أقصر من أن نعيشها في دور تمثيلي مرهق، وأجمل من أن نختزلها في سباق للمظاهر الجوفاء.

 عش حقيقتك، بكل ما فيها من قوة وضعف، فهذه هي البطولة الوحيدة التي تستحق التصفيق.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال