لماذا يختلق العقل قصصًا ليبقيك داخل الألم؟

لماذا يختلق العقل قصصًا ليبقيك داخل الألم؟

العقل خلف السلوك

كيف يصنع العقل قصصًا ذهنية تبرر الألم النفسي
كيف يصنع العقل قصصًا ذهنية تبرر الألم النفسي

تخيل للحظة أنك تعيش داخل محكمة لا ترفع جلساتها أبدًا، القاضي فيها هو ضميرك، والجلاد هو مخاوفك، لكن الشخصية الأخطر في هذه القاعة ليست القاضي ولا الجلاد، بل هو  المحامي البارع الذي يسكن رأسك.

 هذا المحامي - الذي نسميه مجازًا العقل - وظيفته الوحيدة ليست قول الحقيقة، ولا تحقيق العدالة، 

بل وظيفته هي  حماية موكله  أي أنت، بأي ثمن، حتى لو اضطر لتزوير الأدلة، وليّ عنق الحقائق،

 واختراع قصص خيالية كاملة لتبرير بقائك في قفص الألم.

 هل سبق وسألت نفسك لماذا يبقى شخص ذكي وموهوب في وظيفة تقتل روحه لعشر سنوات؟

 لو سألته، لن يقول لك  أنا خائف ، بل سيفتح حقيبة المحامي ويخرج منها ملفًا ضخمًا بعنوان  الظروف :  السوق منهار، والشركات الأخرى لا تدفع، ومديري يحتاجني، وأنا أنتظر التوقيت المناسب .

 هذه ليست مجرد أعذار، هذه  سردية متكاملة  حبكها عقله ببراعة مذهلة ليقنعه أن الألم الذي يعيشه 

هو قدر محتوم، أو خيار نبيل، وليس مجرد عجز عن اتخاذ القرار.

المعضلة الكبرى التي سنغوص فيها في هذا المقال الطويل، ليست في وجود الألم، فالألم ضيف ثقيل يزور الجميع، بل المعضلة تكمن في  المعنى  الذي نلصقه بهذا الألم.

 نحن الكائنات الوحيدة على هذا الكوكب التي لا تكتفي بأن تتألم، بل تحتاج لأن تروي قصة حول هذا الألم لتمنحه شرعية.

 الغزال عندما يصاب، يتألم ويسعى للشفاء، لكنه لا يجلس ليفكر:  لماذا أنا؟

 هل هذا عقاب؟

 هل الغابة تتآمر ضدي؟ .

 أما الإنسان، فيحول الألم البيولوجي أو النفسي العابر إلى  هوية  مقيمة.

 هذا المقال هو محاولة لتفكيك هذه الآلة السردية الجبارة في رؤوسنا.

الجذور البيولوجية: لماذا يفضل الدماغ  الجحيم المألوف ؟

لفهم هذه الظاهرة، يجب أن نتوقف عن التعامل مع العقل ككيان فلسفي حكيم، ونبدأ بالتعامل معه كعضو بيولوجي تطوري هدفه الأول والوحيد هو  البقاء .

 في العصور البدائية، كان المجهول يعني الموت.

 الصوت الغامض بين الأشجار غالبًا ما كان مفترسًا، والطريق الجديد غير المألوف قد ينتهي بمنحدر.

 لذلك، تطور الدماغ البشري ليكون  آلة للتنبؤ  و صانعًا لليقين .

 الدماغ يستهلك طاقة هائلة لمحاولة توقع ما سيحدث في الدقيقة التالية.

 عندما يواجه الدماغ موقفًا مؤلمًا أو غامضًا لا يستطيع تفسيره (مثل رفض مفاجئ من شريك،

 أو خسارة مالية غير مبررة)، يدخل في حالة طوارئ كيميائية.

 يرتفع الكورتيزول، وتنشط اللوزة الدماغية (مركز الخوف)، ويشعر الإنسان بتهديد وجودي.

 لكي يوقف الدماغ هذا الإنذار المزعج، يحتاج إلى  إغلاق الملف  فورًا.

 يحتاج إلى قصة.

أي قصة ستفي بالغرض، بشرط أن تكون متماسكة وتعيد شعور السيطرة.

 إذا فسرت  الرفض  بأن  الطرف الآخر سيء ولا يستحقني ، فهذه قصة تعيد إليك التوازن.

 وإذا فسرته بأن  أنا لست جيدًا بما يكفي ، فهذه أيضًا قصة تعيد التوازن لأنها تقدم سببًا واضحًا (حتى لو كان مؤلمًا) وتوحي لك بأنك لو أصبحت  أفضل  في المستقبل ستتجنب الألم.

 الدماغ يفضل  اليقين المؤلم  على  الشك المريح .

 قصة  أنا فاشل  هي قصة يقينية، لها بداية ووسط ونهاية، وتسمح للدماغ بالاسترخاء وتوفير الطاقة 

لأنه لم يعد بحاجة لمسح البيئة بحثًا عن أسباب أخرى.

 هذا يفسر لماذا يتمسك الناس بعلاقات سامة لسنوات؛ لأن  جحيم القصة المعروفة  (شريكي عصبي لكنه يحبني في العمق) أسهل بيولوجيًا على الجهاز العصبي من  جنة المجهول  (الانفصال والبدء من الصفر).

هندسة الذاكرة: نحن نكتب الماضي ولا نتذكره

الخدعة الثانية والأخطر التي يمارسها العقل لصناعة هذه القصص تتعلق بالذاكرة.

 نحن نميل للاعتقاد بأن ذاكرتنا عبارة عن أرشيف فيديو دقيق يسجل الأحداث كما وقعت، 

وعندما نريد استرجاع ذكرى، فنحن نضغط زر  تشغيل .

 العلم الحديث ينسف هذا التصور تمامًا.

 الذاكرة في الحقيقة أشبه بصفحة  ويكيبيديا  مفتوحة للتعديل، في كل مرة تستدعي فيها ذكرى معينة، أنت تقوم بـ  إعادة بنائها  في ضوء مشاعرك الحالية وقناعاتك الحالية، ثم تعيد تخزين النسخة المعدلة،

 وليس النسخة الأصلية.

 هذا يعني أن قصصك عن الماضي ليست ثابتة، بل تتغير لتخدم روايتك الحالية عن الألم.

لنفترض أنك تعيش قصة حالية عنوانها  أنا ضحية للظروف العائلية .

اقرأ ايضا: لماذا نبقى في علاقات تؤذينا رغم وعينا بالألم؟

 لكي تكون هذه القصة مقنعة ومتينة، سيقوم عقلك بعملية  مونتاج  انتقائية لتاريخ طفولتك.

 سيسلط الضوء الساطع على كل موقف شعرت فيه بالإهمال، وسيقوم بتضخيم كل كلمة قاسية قيلت لك، وفي المقابل، سيقوم بعملية  تعتيم  أو حذف كامل للحظات الدعم، أو الحب، أو حتى اللحظات العادية المحايدة.

 مع مرور السنوات، وتكرار رواية هذه النسخة المعدلة، تُمحى الحقيقة الأصلية المتوازنة، 

ولا يتبقى

 في أرشيفك إلا  قصة الضحية .

 أنت لا تكذب عمدًا، أنت تصدق ذاكرتك، لكنك لا تدرك أن ذاكرتك نفسها قد تم اختراقها من قبل الراوي  لتناسب الحبكة الدرامية.

المكاسب الثانوية: لماذا نعشق دور الضحية سرًا؟

نصل الآن إلى المنطقة الأكثر حساسية وعمقًا في النفس البشرية، المنطقة التي يرفض معظمنا الاعتراف بوجودها:  المكاسب الثانوية.

 المنطق السطحي يقول إننا جميعًا نكره الألم ونريد التخلص منه.

 لكن علم النفس العميق يقول شيئًا مختلفًا: نحن نتمسك بالألم طالما أنه يحقق لنا فائدة خفية لا نستطيع الحصول عليها بطريقة أخرى.

 القصة التي تبرر الألم غالبًا ما تكون  تذكرة  للحصول على امتيازات نفسية واجتماعية لا يجرؤ العقل الواعي على طلبها بصراحة.

أول وأهم هذه المكاسب هو  الإعفاء من المسؤولية .

 الحياة مخيفة، والنجاح مخيف، واتخاذ القرارات يحمل مخاطرة الفشل والنقد.

 عندما ينسج عقلك قصة تقول:  أنا مريض ، أو  أنا طاقتي محدودة ، أو  أنا مستهدف من الحاسدين،

 فهو يمنحك صك براءة من خوض معركة الحياة.

 الضحية لا يُطلب منها أن تنجز، الضحية يُطلب منها فقط أن تصمد وتشتكي.

 هذا الدور، رغم ألمه الظاهري، يوفر راحة عميقة للطفل الخائف في داخلنا الذي يخشى أن يحاول ويفشل.

 القصة هنا هي  درع  يحميك من توقعات نفسك وتوقعات الآخرين.

التنافر المعرفي: الثعلب والعنب في العصر الحديث

هل تذكر قصة الثعلب الذي حاول قطف العنب وعندما فشل قال  إنه حصرم (حامض)؟

 هذه الحكاية البسيطة هي أدق شرح لآلية نفسية معقدة تدير حياتنا تسمى  التنافر المعرفي .

 عندما يكون هناك فجوة بين  ما نريده  وبين  واقعنا ، ينشأ توتر مؤلم.

 العقل لا يستطيع تحمل فكرة  أنا أريد هذا الشيء وفشلت في الحصول عليه ، لأنها تضرب تقدير الذات.

 لذلك، يقوم الراوي الداخلي بتعديل القصة فورًا:  أنا لم أكن أريده أصلًا ، أو  هو ليس جيدًا كما يبدو .

في حياتنا المعاصرة، يتجلى هذا بوضوح مرعب.

 الشاب الذي يحلم بالثراء لكنه لا يملك الانضباط للعمل، يتبنى قصة:  المال يفسد النفوس، والأغنياء تعساء، وأنا أختار راحة البال .

 هذه القصة تريحه من ألم المقارنة ومن عناء المحاولة، لكنها في المقابل تحبسه في فقر دائم

 لأنه  شيطن  الشيء الذي يريده.

 الفتاة التي تتأخر في الزواج قد تتبنى قصة  الرجال كلهم خائنون، والزواج مقبرة للنساء .

 هذه القصة تحمي كرامتها من تساؤلات المجتمع ومن شعورها بالوحدة، لكنها تغلق الباب أمام أي فرصة حقيقية لشراكة ناجحة لأنها تدخل كل علاقة وهي تحمل  سيناريو الخيانة  جاهزًا في رأسها وتطبقه 

على الواقع.

القصص التي نرويها لتخفيف التنافر المعرفي خطيرة لأنها لا تبرر الألم الحالي فقط، بل  تخرب المستقبل .

 إنها تضع نظارات سوداء على أعيننا تجعلنا لا نرى الفرص، لأن رؤية الفرصة تعني نسف القصة التي بنيناها.

 الشخص الذي أقنع نفسه أن  البلد لا يوجد فيها فرص  سيمشي بجوار الفرصة الذهبية ولن يراها،

 لأن عقله مبرمج على فلترة الواقع ليتناسب مع قصة  انعدام الفرص .

 نحن نصبح عميانًا باختيارنا، فقط لنثبت أن قصصنا كانت صحيحة.

التواطؤ الاجتماعي: عندما يساعدك الآخرون على الكذب

القصص الوهمية لا تنمو في الفراغ، بل تحتاج إلى بيئة حاضنة، وهنا يأتي دور المجتمع والمحيطين.

 نحن غالبًا ما نحيط أنفسنا بأشخاص يصدقون قصصنا، بل ويضيفون إليها فصولًا جديدة.

 الصديق  الداعم  بمفهومنا الخاطئ هو الذي يقول لك:  نعم أنت مظلوم، وهم لا يستحقونك،

 والحق معك 100% .

 هذا النوع من الدعم، رغم نيته الطيبة، هو في الحقيقة  تآمر  على الحقيقة.

 إنه يغذي الراوي المخادع في رأسك ويعطيه مصداقية خارجية.

في المجتمعات العربية تحديدًا، لدينا مخزون هائل من  القصص الجاهزة  التي يمكن استعارتها لتبرير أي ألم.

 مفاهيم مثل  الحسد  و العين  و النصيب  - ورغم أصلها الديني والحقيقي - يتم استخدامها وتوظيفها بشكل مفرط ومغلوط لتكون شماعات جاهزة لأي إخفاق.

 الطالب الذي يهمل دراسته يرسب بسبب  عين أصابته ، والزوج الذي يهمل زوجته تطلبه بسبب  سحر التفريق .

 هذه القصص المجتمعية مريحة جدًا، لأنها تنقل الصراع من  دائرة الفعل والمسؤولية إلى دائرة الغيبيات والقوى الخفية  التي لا حيلة لنا فيها.

 عندما يتبنى عقلك هذه القصة، ويؤمن عليها المجتمع من حولك، يصبح جدار السجن سميكًا جدًا بحيث يستحيل اختراقه.

الجسد يدفع الثمن: عندما تتحول القصة إلى مرض

ما يغفله الكثيرون هو أن هذه القصص لا تبقى في الرأس فقط، بل تتسرب إلى الخلايا والأنسجة.

 هناك مجال علمي كامل يسمى  النفس-جسدي  يدرس كيف تتحول الأفكار والمشاعر المكبوتة

 إلى أمراض عضوية.

 عندما يقنعك عقلك بقصة  أنا تحت ضغط لا يُحتمل ، فإن جهازك العصبي يتعامل مع هذه القصة كحقيقة واقعة، ويضخ هرمونات التوتر (الكورتيزول والأدرينالين) بشكل مستمر 24 ساعة يوميًا.

 هذا الضخ المستمر يسبب التهابات مزمنة، مشاكل في الهضم (القولون العصبي)، آلام ظهر، صداع نصفي، وضعف مناعة.

القصة التي تقول  أنا لا أستطيع هضم ما يحدث في حياتي  تتحول حرفيًا إلى عسر هضم.

 القصة التي تقول  أنا أحمل هموم العالم على كتفي  تتحول إلى تشنج عضلي مزمن في الأكتاف والرقبة.

 الجسد لا يعرف الكذب، ولا يفهم الاستعارات.

 عندما تروي له قصة رعب يومية عن مستقبلك أو عن مديرك، هو يجهز نفسه للقتال أو الهروب،

 وعندما لا يحدث قتال فعلي، تتوجه هذه الطاقة التدميرية نحو الداخل وتهاجم أعضاءك.

المأساة هنا أن المرض الجسدي يصبح بدوره  دليلاً جديدًا  يضيفه العقل للقصة.

  أرأيت؟ أنا مريض فعلًا ولا أستطيع العمل .

 وتغلق الدائرة المفرغة.

 الألم النفسي الذي تم تبريره بقصة، تحول إلى ألم جسدي حقيقي، وهذا الألم الجسدي أصبح مبررًا لمزيد

 من الانسحاب والعجز.

 الشفاء هنا لا يتطلب دواءً فقط، بل يتطلب  تغيير القصة .

 العديد من حالات الشفاء المدهشة بدأت عندما توقف المريض عن لعب دور الضحية، 

وقرر أن يروي لنفسه قصة جديدة عن القدرة والتعافي والمسؤولية.

طريق التحرر: كيف تفصل  الحدث  عن  التفسير ؟

بعد هذا التشريح العميق والمؤلم، كيف نخرج؟

 الحل لا يكون بمحاربة العقل،

 ولا بإسكات الصوت الداخلي بالقوة، بل بـ  الملاحظة  و التفكيك .

 الخطوة الأولى هي إدراك المعادلة الذهبية: المعاناة = الألم × المقاومة (القصة).

 الألم هو الحدث الواقعي (خسارة مال، مرض، كلمة جارحة).

 هذا الألم حتمي ومحدود زمنيًا.

 أما المعاناة فهي ما نفعله نحن بهذا الألم من خلال القصة التي نرويها وتكرارها.

 إذا استطعنا إيقاف القصة، يتبقى  ألم نظيف  يمكن التعامل معه وعلاجه.

التمرين العملي الأقوى هنا هو  الكتابة التفكيكية .

 أحضر ورقة وقلمًا، واكتب المشكلة التي تؤلمك.

 ثم قم برسم خط في المنتصف.

 على اليمين اكتب  الحقائق فقط  (ما يمكن تصويره بكاميرا فيديو).

 وعلى اليسار اكتب  القصة  (تفسيراتك، مشاعرك، توقعاتك، أحكامك).

 ستُصدم عندما تكتشف أن الحقائق لا تتجاوز سطرين (مثلاً: مديري قال لي هذا التقرير سيء)، 

بينما القصة تملأ صفحة كاملة (هو يكرهني، أنا فاشل، سأفقد وظيفتي، سأتشرد، لا أحد يقدرني).

 بمجرد أن ترى القصة مكتوبة ومنفصلة عن الواقع، تفقد سلطتها عليك.

 تدرك أنها  خيار  وليست  قدراً .

الخطوة الثانية هي ممارسة  الاستبدال السردي .

 لا تحاول أن تكذب على نفسك بإيجابية زائفة، بل ابحث عن تفسير بديل  ممكن .

 بدل قصة  هو لم يتصل لأنه لا يحبني ، جرب قصة  ربما هو مشغول، أو يمر بظرف لا أعرفه .

 الهدف ليس التأكد من صحة القصة الجديدة، بل الهدف هو  كسر اليقين  الخاص بالقصة القديمة.

 بمجرد أن تفتح نافذة  الاحتمالات ، يسترخي الجهاز العصبي ويخرج من حالة الدفاع والهجوم.

الخطوة الثالثة والأصعب هي  تقبل المسؤولية .

 هذا يتطلب شجاعة هائلة لتقول:  نعم، ربما ظُلمت في الماضي، لكنني اليوم المسؤول الوحيد 

عن رد فعلي وعن مستقبلي .

 التخلي عن دور الضحية يعني التخلي عن التعاطف المجاني وعن الأعذار المريحة، 

لكنه يمنحك 

في المقابل  القوة .

 القوة لتغير، القوة لتختار، القوة لتكتب الفصل القادم بيدك لا بيد ظروفك.

ما بعد القصص: الحياة في المنطقة العارية

عندما تتوقف عن تبرير ألمك، وتتوقف عن اختراع قصص لتجميله أو تضخيمه، 

ستجد نفسك

 في منطقة جديدة تمامًا نسميها  المنطقة العارية  أو منطقة  الصدق الجذري .

 في البداية، سيبدو المكان موحشًا وباردًا.

 ستشعر بألم المواجهة، وبثقل أخطائك السابقة التي لم تعد تجد لها شماعة.

 لكن، إذا صبرت قليلًا، ستكتشف أن هذا الهواء البارد هو  هواء الحرية .

في هذه المنطقة، الطاقة التي كان عقلك يبددها في صيانة الأكاذيب وفي بناء جدران الدفاع، 

ستتحرر فجأة وتصبح متاحة  للعمل والبناء .

 ستجد أنك تنجز في شهر ما كنت تنجزه في سنة.

 ستجد علاقاتك أصبحت أعمق وأنقى لأنك لم تعد تسقط عليها مخاوفك وقصصك القديمة.

 ستنظر للناس كما هم، وللأحداث كما هي.

 الفشل سيصبح مجرد  بيانات  لتعديل المسار، وليس حكماً بالإعدام على هويتك.

 والنجاح سيصبح ثمرة للعمل، وليس ضربة حظ أو تعويضاً لنقص.

الإنسان الذي يتحرر من قصصه الوهمية لا يصبح خارقاً ولا يختفي الألم من حياته، لكنه يصبح  حقيقياً .

 يصبح غير قابل للكسر بسهولة، لأن ما كان يكسره سابقاً لم يكن الأحداث، 

بل القصص التي كان يرويها لنفسه عنها.

في نهاية المطاف، القلم لا يزال في يدك، والصفحة لا تزال مفتوحة.

 الراوي القديم في رأسك سيستمر في الثرثرة واقتراح سيناريوهات الكوارث والمظلومية، 

فهذه وظيفته التي لن يتقاعد منها.

اقرأ ايضا: من يتخذ القرار عنك قبل أن تفكر؟

 لكن الفرق الآن هو أنك لم تعد مضطراً لتصديقه، ولم تعد مضطراً لتعيش الدور الذي كتبه لك.

 يمكنك أن تشكره على محاولته لحمايتك، ثم تبتسم وتقول له:  أنا سأتولى القيادة من هنا .

 الحقيقة قد تكون مؤلمة أحياناً، لكنها الألم الوحيد الذي يشفي، والقصة الوحيدة التي تستحق أن تُعاش.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال