لماذا تستنزفك مشاكل الآخرين أكثر من مشاكلك؟

لماذا تستنزفك مشاكل الآخرين أكثر من مشاكلك؟

سلامك الداخلي

تستيقظ صباحًا بطاقة تكفي لإدارة يومك، لكنك ما إن تفتح هاتفك أو تصل إلى مكتبك حتى يبدأ النزيف
غير المرئي.

 شكوى من صديق محبط، أزمة لزميل يطلب المساعدة، توتر عائلي لم تكن طرفًا فيه، وفجأة، قبل أن ينتصف النهار، تشعر بثقل هائل يجثم على صدرك كأنك كنت تحمل حجارة لا هواءً.

كيف تحمي سلامك الداخلي من حمل مشاعر الآخرين
كيف تحمي سلامك الداخلي من حمل مشاعر الآخرين

هذا الثقل ليس ملكك، وهذه المعارك ليست معاركك، لكنك وجدت نفسك في قلبها دون أن تعرف كيف دخلت، والأهم: أنك لا تعرف كيف تخرج دون أن تشعر بالذنب.

المشكلة الحقيقية ليست في لطفك ولا في رغبتك بالمساعدة، بل في  حدودك المسامية  التي تسمح لمشاعر الآخرين بالتسرب إلى داخلك واحتلال مساحتك الخاصة.

 نحن نعيش في ثقافة تمجّد التضحية وتخلط خلطًا خطيرًا بين  التعاطف  وبين  التقمص ، فتجعلنا نظن أننا
لا نكون جيدين إلا إذا تألمنا لألم غيرنا بنفس الدرجة.

 والنتيجة؟ أرواح منهكة، وقدرة متآكلة على العطاء الحقيقي، وحياة نعيشها كـ  مكب عاطفي  لمخاوف الآخرين وإحباطاتهم.

هذا المقال ليس دعوة للأنانية أو للعيش في جزيرة معزولة، بل هو دليل لتفكيك  عقدة المنقذ  التي تسكن الكثيرين منا.

 سنستكشف سويًا كيف يمكنك أن تكون حاضرًا ومساندًا لمن تحب، ولكن من مسافة آمنة تحمي بها سلامك الداخلي.

 الوعد المعرفي هنا هو أن تتعلم فن  الوجود دون التورط ، وأن تمتلك الأدوات التي تجعلك تغلق باب بيتك النفسي في وجه العواصف الخارجية، ليبقى داخلك هادئًا حتى لو كان العالم بالخارج يضج بالصخب.

وحدة الفهم: الفرق بين المشاركة والذوبان

تبدأ الحكاية حين نعجز عن التمييز بين خطين رفيعين لا يراهما إلا ذوو البصيرة العاطفية: خط  أنا أشعر بك  وخط  أنا أشعر نيابة عنك .

 في الحالة الأولى، المشاركة، أنت تقف على الشاطئ الصلب وتمد يدك القوية لتساعد الغريق، محافظًا
على توازنك.

 أما في الحالة الثانية، الذوبان، فأنت تقفز معه في الدوامة نفسها بدافع الخوف أو الحب المفرط، فتغرقان معًا ولا ينجو أحد.

 الذوبان العاطفي هو حالة خطرة تفقد فيها حدودك النفسية، وتصبح مثل الإسفنجة التي تمتص فوضى الآخرين وقلقهم، فتتحول من شخص قادر على المساعدة إلى ضحية ثانية تحتاج للإنقاذ.

لماذا نذوب في مشاعر الآخرين؟

نحن نخلط غالبًا بين الحب وبين  التطابق الشعوري .

 نعتقد لاشعوريًا أننا إذا لم نحزن بنفس قدر حزن الصديق، أو نتوتر بنفس درجة توتر الشريك، فنحن  باردون  
أو  خونة  للعلاقة.

 هذا المعتقد الخاطئ يجعلنا نفتح بواباتنا النفسية على مصراعيها دون حارس، فتجتاحنا موجات من المشاعر التي لا تخصنا، وتستهلك طاقتنا التي كنا نحتاجها لإدارة حياتنا أو حتى لتقديم مساعدة حقيقية لذلك الشخص نفسه.

مشهد من الحياة اليومية

تخيل زميلًا في العمل يعاني من سوء إدارة وقته وتراكم المهام، فيأتي إليك غاضبًا ومتوترًا يشتكي من ظلم المدير وضغط العمل.

الشخص المتورط (الذائب): سيبدأ فورًا في الشعور بانقباض في المعدة، وتتسارع دقات قلبه، ويبدأ عقله
في الدوران بحثًا عن مخرج لمأزق الزميل، وقد ينتهي به الأمر متطوعًا لأخذ بعض المهام عنه ليريح ضميره ويهدئ توتره هو، لا توتر الزميل.

الشخص المتعاطف بذكاء: سيستمع باهتمام ولغة جسد منفتحة، ويقول كلمة طيبة مثل  الله يعينك، الضغط فعلاً مزعج ، لكنه يظل محتفظًا بمسافة داخلية آمنة وهدوء عميق، مدركًا تمامًا أن هذا التوتر نتيجة لخيارات الزميل وهو مسؤول عن معالجتها، وأن المساعدة الحقيقية ليست في حمل الحقيبة عنه،
بل في سؤاله:  كيف تخطط لترتيب أولوياتك اليوم؟ .

مثال عربي واقعي: فخ القلق باسم الحب

خذ مثال الأم العربية التي تظل مستيقظة طوال الليل، ينهش القلق قلبها وتتقلب في فراشها لأن ابنتها الجامعية لديها امتحان صعب في الصباح، بينما الابنة نائمة بسلام.

 الأم هنا لا تساعد، بل تمارس طقسًا من  التعذيب الذاتي  تظنه حبًا.

 طاقتها المستنزفة في القلق لن تضيف معلومة واحدة لرأس ابنتها، ولن تغير صعوبة الامتحان.

 هي تعتقد أن قلقها دليل اهتمام، بينما هو في الحقيقة رسالة خفية بعدم الثقة في قدرة ابنتها
على مواجهة تحديات الحياة.

 الابنة عند الصباح لا تحتاج أمًا منهكة ومتوترة تزيد الجو شحنًا، بل تحتاج أمًا هادئة ومبتسمة، تقدم لها فطورًا جيدًا ودعوة صادقة، لتمثل لها  المرسى الآمن  الذي تنطلق منه.

التوجيه العملي: تقنية الفرز الشعوري

لتحمي نفسك من هذا الانزلاق، درّب نفسك على ممارسة  الفرز الشعوري .

 حين يداهمك ضيق مفاجئ أو ثقل في الصدر بعد مكالمة هاتفية أو لقاء عائلي، لا تستسلم للشعور فورًا.

 توقف لثانيتين واسأل نفسك بوضوح:  لمن هذا الشعور؟ .

هل هذا الضيق نابع من مشكلة تخصني أنا؟

أم أنني التقطت  عدوى شعورية  من الطرف الآخر؟

إذا كان الجواب الثاني، فاستخدم تقنية  الحاجز الزجاجي .

 أغمض عينيك للحظة وتخيل أن هناك جدارًا زجاجيًا سميكًا وشفافًا نزل بينك وبين مصدر التوتر.

 أنت تراه بوضوح، وتسمع صوته، وتستطيع التحدث معه، لكن  طاقته  ودخان توتره يصطدم بالزجاج ولا يعبر إلى رئتيك.

 هذه الصورة الذهنية البسيطة وقوية المفعول تعيد عقلك فورًا من وضع  المتلقي المنفعل  إلى وضع  المراقب الحكيم ، وتحفظ خزان طاقتك النفسية من الثقوب غير المرئية.

حين تفهم بعمق أنك لست وعاءً فارغًا يُصب فيه قلق العالم، وأن دورك هو أن تكون  سراجًا  يضيء
لاشمعة  تحترق وتذوب لتختفي، تبدأ رحلة التحرر الحقيقي.

 لكنك ستصطدم فورًا بحارس بوابة التحرر الشرس المسمى  الذنب ، وهذا ما سنفكك شفرته في الفقرة القادمة.

وحدة التحليل: فخ الشعور بالذنب وعقدة المنقذ

لماذا نجد صعوبة بالغة، تكاد تصل حد الألم الجسدي، في قول  لا  لمشاكل الآخرين وطلباتهم المستنزفة؟ السبب في أغلب الأحيان ليس فرط الكرم ولا نبل الأخلاق كما نخدع أنفسنا، بل هو خوف بدائي عميق
من أن نوصم بأننا  أشخاص سيئون  أو  غير مبالين .

 لقد نشأنا في مجتمعات تبرمجنا منذ الصغر على معادلة قاسية: الشخص  الخدوم  هو المحبوب الذي لا يرد طلبًا، بينما من يضع حدوده ويحمي وقته هو شخص  أناني .

 هذه البرمجة المجتمعية تخلق بداخلنا تشوهًا نفسيًا يُعرف بـ  عقدة المنقذ ؛ وهي حاجة قهرية للتدخل وإصلاح حياة الآخرين، ليس حبًا فيهم فقط، بل لنشعر نحن بقيمتنا الذاتية وأهميتنا.

 نحن نحمل أثقالهم أحيانًا ليس لأنهم طلبوا ذلك، بل لأننا نحتاج أن نشعر بأننا لا يمكن الاستغناء عنا،
وأن الكون سيتوقف عن الدوران لو سحبنا أيدينا.

الهروب من الذات عبر الآخرين

العمق النفسي لهذا السلوك يكشف حقيقة صادمة: نحن نستخدم دراما حياة الآخرين ومشاكلهم كمهرب  مشروع  من مواجهة مشاكلنا الخاصة والفراغ الذي يسكننا.

 الانشغال الدائم بحل أزمة صديق عاطفية، أو تسوية نزاع عائلي لقريب، أو التفكير في ديون زميل، يمنحنا عذرًا ممتازًا ومقبولًا اجتماعيًا لتجاهل أهدافنا المؤجلة، ومخاوفنا التي نخشى فتح ملفاتها.

اقرأ ايضا: لماذا نشعر بالراحة حين يختفي الضجيج؟

 إنه  تشتيت نبيل المظهر ، يبدو كأنه فضيلة، لكنه في المضمون عملية تدمير ذاتي ناعمة.

 وحين تحاول الروح أن تتمرد وتتوقف عن هذا الدور، يهاجمنا حارس السجن الشرس المسمى  الذنب ؛ ذلك الصوت الداخلي الذي يهمس في أذنك بلهجة لائمة:  كيف تجرؤ على الاستمتاع بقهوتك وصديقك يتألم؟ كيف تنام مرتاحًا وقريبك في مأزق؟ .

 هذا الذنب الزائف هو القضبان التي تمنعك من الخروج من زنزانة التبعية العاطفية.

عندما تكون المساعدة ضررًا مقنعًا

تأمل هذا السيناريو المتكرر: قريب يطلب منك سلفة مالية وأنت تعلم يقينًا أنه مسرف، سيء الإدارة، ولن يسدد كما حدث سابقًا.

 ومع ذلك، تعطيه المال لأنك تخجل من المواجهة أو تخشى نظرة العتاب.

 في هذه اللحظة، أنت لم تساعده، بل كنت شريكًا في ضرره؛ لقد مولت سلوكه الخاطئ، وحرمته من فرصة تعلم درس المسؤولية وتحمل عواقب قراراته.

 وفي الوقت نفسه، ضغطت ميزانيتك الخاصة وظلمت أسرتك التي كانت أولى بهذا المال.

 الشعور بالذنب هنا مضلل وكاذب؛ فهو يصور لك الحزم التربوي قسوة، ويصور لك التهاون والضعف رحمة.

 الحقيقة التي يجب أن تُحفر في الأذهان هي أن كلمة  لا  الصادقة والمدروسة، هي فعل كرم وشجاعة يفوق بمراحل كلمة  نعم  المترددة التي يتبعها منٌّ داخلي، وضيق، وشعور بالاستغلال.

وحدة التطبيق: تقنيات  التفلُن  العاطفي

كيف تتعامل عمليًا مع  مصاصي الطاقة  الذين يرونك محطة وقود مجانية؟ الحل يكمن في تقنية  التفْلُن  (نسبة لمادة التيفلون التي لا يلتصق بها الطعام).

 الهدف أن تكون ناعمًا وقويًا بحيث تنزلق مشاعرهم عنك ولا تعلق بك.

 هذا يتطلب مهارة  الاستجابة غير المشبعة .

 حين يأتيك شخص يشتكي للمرة الألف من نفس المشكلة دون نية للحل، لا تقدم حلولاً ولا تنفعل، بل اكتفِ بجمل محايدة مثل:  يبدو الأمر صعبًا، ماذا تنوي أن تفعل؟ .

 هذا السؤال يعيد الكرة إلى ملعبه ويحمي وقتك من الهدر في نقاشات دائرية.

هناك أيضًا استراتيجية  تحديد الوقت .

 إذا كان لديك صديق يميل للمكالمات الطويلة المليئة بالشكوى، فابدأ المكالمة بتحديد نهايتها:  أهلاً بك، لدي 10 دقائق فقط قبل أن أبدأ عملي، كلي آذان صاغية .

 هذا يضع إطارًا يجبر الطرف الآخر على الاختصار ويحمي يومك من الاستنزاف العاطفي المفتوح.

 أنت هنا لم ترفض التواصل، بل هذّبته وجعلته ضمن شروطك.

مثال عربي متكرر: التجمعات العائلية التي تتحول لساحة نقد أو شكوى جماعية.

 الشخص الذي يحمي نفسه لا ينخرط في الجدال ولا يحاول إصلاح الكون في جلسة شاي.

 هو يتقن فن  تغيير الموضوع بلطف  أو  الانسحاب التكتيكي  لدقائق لاستعادة توازنه.

 إذا بدأ النقاش يسخن حول قضايا لا تعنيك، يمكنك ببساطة الابتسام والصمت، أو الانشغال باللعب
مع الأطفال.

 الأطفال هم أفضل مهرب من طاقة الكبار السلبية، وهم يعيدونك فورًا للحظة الحالية النقية.

التوجيه العملي: مارس  طقوس التنظيف  بعد كل تفاعل ثقيل.

 لا تحمل بقايا اللقاء معك إلى اللقاء التالي.

 قبل أن تدخل بيتك، اجلس في السيارة دقيقة واحدة، تخيل أنك تخلع معطفًا ثقيلاً مليئًا بالغبار (وهو مشاكل اليوم) وتعلقه خارج الباب.

 اغسل يديك ووجهك بنية  غسل الطاقة السلبية .

 هذه الأفعال الرمزية تعطي إشارة قوية لعقلك الباطن بانتهاء  نوبة العمل العاطفي  وبدء وقت الراحة الشخصية.

ولكن، احذر، فحتى مع تطبيق هذه الحدود، قد تقع في فخ خفي يأتيك من أقرب الناس إليك،
وهو ما سنكشفه في الزاوية التالية.

وحدة الزوايا الخفية: الابتزاز باسم الحب

أخطر أنواع الأثقال هي تلك التي توضع على أكتافنا باسم  الحب  و القرابة .

 قد يمارس الأهل أو الشريك نوعًا من الابتزاز العاطفي غير الواعي:  لو كنت تحبني لفعلت كذا ، أو  أنا ضحيت بعمري لأجلك وأنت لا تتحملني ساعة .

 هذه الجمل هي ألغام نفسية تهدف لكسر حدودك وإشعارك بالتقصير الدائم.

 الزاوية الخفية هنا هي أننا غالبًا ما نستجيب لهذا الابتزاز لنشتري  الهدوء  وليس لأننا مقتنعون، وهذا الهدوء مؤقت ومكلف جدًا.

الخضوع للابتزاز يعلم الطرف الآخر أن  الألم  هو العملة الناجحة للحصول على اهتمامك، فيزيد من جرعة الدراما والشكوى.

 أنت تظن أنك ترضيهم، لكنك في الحقيقة تدربهم على أن يكونوا أكثر اعتمادية عليك.

 العلاقات الصحية لا تقوم على  فاتورة تضحيات ، بل على تبادل حر ومتوازن.

 الشخص الذي يحبك حقًا سيحترم حاجتك للمساحة ولن يشعرك بالذنب لأنك اعتنيت بنفسك.

تخيل زوجة تطلب من زوجها أن يقاطع أهله لأنهم ضايقوها، وتستخدم نكدها كسلاح.

 إذا استجاب الزوج  ليشتري دماغه ، فقد حمل ثقل كراهية ليس له، وخسر توازنه الاجتماعي.

 التصرف السليم هو الفصل:  أنا أتفهم ضيقك ولستِ مجبرة على زيارتهم، لكن صلة رحمي خط أحمر يخصني .

 هذا الفصل يحمي العلاقة الزوجية من التسمم، ويحفظ للزوج استقلاليته وسلامه.

التوجيه العملي: تعلم لغة  التوكيد الإيجابي للحدود .

 بدلاً من الدفاع أو الهجوم، استخدم جملة:  أنا أحبك، ولأنني أحبك لا أستطيع أن أقبَل هذا التصرف لأنه يضر علاقتنا .

 اربط الحد بالحفاظ على العلاقة.

 حين يدرك الطرف الآخر أن حدودك هي لحماية  الود  بينكما وليست لبناء جدار، سيقل مستوى مقاومته وابتزازه تدريجيًا.

هذا التحول في إدارة العلاقات يقودنا إلى النتيجة النهائية: كيف يتغير شكل حياتك حين تتخفف من هذه الأثقال؟

وحدة النتائج: خفة الروح واتساع الأفق

عندما تنجح في إنزال أثقال الآخرين عن ظهرك، أول ما ستلاحظه هو  عودة الألوان .

 الطاقة التي كانت تُهدر في القلق والتحليل والترضية، تعود إليك لتستخدمها في الإبداع، في الاستمتاع بتفاصيل يومك، وفي تطوير ذاتك.

 ستجد أن صبرك مع أطفالك قد زاد، وأن تركيزك في عملك قد تضاعف، وأن نومك أصبح أعمق لأن عقلك لم يعد يطحن مشاكل لا حل لها طوال الليل.

الأثر الأجمل يظهر في علاقاتك نفسها.

 حين تتوقف عن لعب دور المنقذ، تعطي للآخرين فرصة لكي ينضجوا ويتحملوا مسؤولية حياتهم.

 ذلك الصديق الاعتمادي قد يبدأ في البحث عن حلول بنفسه، وذلك القريب الدائم الشكوى قد يبحث
عن هواية تشغله.

 بانسحابك الذكي، أنت لم تخذلهم، بل  حررتهم  من الاتكال عليك، وحررت نفسك من سجن التوقعات.

 العلاقات تصبح أنضج، قائمة على الرغبة في المشاركة لا الحاجة للتفريغ.

السلام الداخلي لم يعد فكرة مجردة، بل واقع تعيشه.

 تصبح مثل الشجرة الراسخة؛ الطيور تبني أعشاشها على أغصانها، وتستظل بظلها، لكن الشجرة لا تمشي
مع الطيور ولا تحزن إذا طارت.

 أنت ثابت، متاح للعطاء، لكن جذورك في أرضك أنت، وغذاؤك من شمسك أنت.

 هذه هي الحالة التي تتيح لك أن تعطي بلا نضب، لأنك تعطي من الفائض لا من الأصل.

ماذا يحدث لو لم تفعل؟

 ستستمر في الدوران في ساقية الإرضاء حتى تسقط من الإنهاك، أو تنفجر غضبًا في وجه من تحب، وتخسر صحتك ونفسك ومن حولك.

 حماية الطاقة النفسية ليست رفاهية، بل هي ضرورة للبقاء سويًا في عالم مليء بالضغوط.

في نهاية المطاف، وأنت تضع رأسك على الوسادة، تذكر أنك لست  إلهًا  صغيراً في هذا الكون لتصلح
كل خلل، ولست  شماعة  لتعلق عليها كل الأثواب المتسخة.

 أنت إنسان، ومهمتك الأولى والأقدس هي أن تحافظ على النور الذي بداخلك متوهجًا، لأنك بهذا النور فقط تستطيع أن تنفع العالم.

 العالم لا يحتاج مزيدًا من  الشهداء  المحترقين نفسيًا، بل يحتاج أناسًا أصحاء، سعداء، ومتوازنين يبثون الأمل بمجرد وجودهم.

اقرأ ايضا: لماذا يستنزفك التبرير أكثر من الضغط نفسه؟

 فهل ستختار غدًا أن تحمل الحقائب الثقيلة مرة أخرى، أم ستمشي خفيفًا، تاركًا لكل مسافر حقيبته، ومكتفيًا بابتسامة تشجيع صادقة؟

الخيار لك، والصباح ينتظر قرارك.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال