لماذا تشتاق إلى وظيفة تركتها بإرادتك
تحولات الحياة
قد تكون أنت من كتب الاستقالة واختار الموعد وودع الزملاء وانتقل إلى فرصة أخرى بعد تفكير طويل.
ومع ذلك قد تمر لحظة هادئة في يومك الجديد فتشتاق إلى المكتب القديم أو طريقك إليه أو الأشخاص الذين كنت تعرف كيف تتعامل معهم.
هذا الشعور يربكك لأنك تتوقع أن يكون قرار الرحيل قد أغلق الباب عاطفيا أيضا.
لكن القرار والشعور لا يتحركان دائما في الاتجاه نفسه.
يمكنك أن تكون مقتنعا بسبب مغادرتك وأن تفتقد في الوقت نفسه أشياء حقيقية خسرتها مع الانتقال.
وقد يكون ما تفتقده هو التمكن أو الألفة أو الزملاء أو وضوح الدور أو إيقاع يوم حفظته سنوات، لا الوظيفة القديمة بكل شروطها.
لهذا لا نحتاج إلى اعتبار الحنين دليلا على أن الاستقالة كانت خطأ، ولا إلى إسقاطه بوصفه خدعة من الذاكرة.
الأدق أن تفككه.
ما الذي تشتاق إليه تحديدا، وهل هذا الشيء سبب كاف للعودة، أم حاجة يمكن بناؤها في حياتك الحالية بطريقة أخرى.
الحنين لا يلغي الأسباب التي جعلتك ترحل
الإنسان يستطيع أن يحمل شعورين صحيحين في الوقت نفسه.
قد تشعر بالراحة لأنك خرجت من بيئة لم تعد تناسبك، ثم تفتقد بعض تفاصيلها بعد أشهر.
لا يوجد تناقض ضروري بين الأمرين.
القرار المهني يتخذ على حزمة كاملة من العوامل.
الراتب والمدير وطبيعة العمل وفرص النمو والضغط والمرونة والعلاقات والموقع والمرحلة الشخصية.
أما الحنين فقد يتعلق بعنصر واحد فقط من هذه الحزمة.
لذلك لا يجوز أن نعطي شعورا تجاه جزء من التجربة سلطة الحكم على القرار كله.
قد تشتاق إلى زميل محدد مع أنك لا تريد العودة إلى الإدارة نفسها.
وقد تفتقد سرعة إنجازك القديمة مع أنك كنت قد وصلت إلى سقف مهني لا يناسبك.
وقد تشتاق إلى طريق الصباح المألوف مع أنك أكثر رضا عن حياتك الحالية.
السؤال المفيد ليس لماذا أشعر بهذا بعدما اخترت الرحيل.
السؤال هو ما الشيء الذي فقدته مع الرحيل ولم أستبدله بعد.
قد تشتاق إلى التمكن أكثر من الوظيفة
في العمل الذي قضيت فيه سنوات كنت تعرف أشياء لا تحتاج إلى التفكير فيها.
تعرف من تسأل وكيف تنجز الإجراء وما الذي يتوقعه مديرك وكيف تتعامل مع المشكلات المتكررة.
هذا النوع من التمكن يجعل جزءا كبيرا من اليوم مألوفا.
عندما تبدأ وظيفة جديدة يعود كثير من هذه التفاصيل إلى منطقة التعلم.
قد تكون أكثر خبرة مهنيا من قبل، لكنك لا تعرف بعد اللغة الداخلية للمكان الجديد ولا طرق التنسيق
ولا الأشخاص ولا الاستثناءات الصغيرة التي يعرفها من سبقك.
أبحاث التكيف الوظيفي تنظر إلى وضوح الدور والتمكن من المهمة والقبول الاجتماعي بوصفها جوانب مختلفة من استقرار الموظف الجديد.
لذلك قد يكون ما يضغط عليك في البداية ليس ضعف قرارك، بل أنك فقدت في يوم واحد مستوى من التمكن احتجت سنوات لبنائه.
هذا لا يعني أن كل بداية صعبة ستصبح جيدة لاحقا.
لكنه يمنع مقارنة غير عادلة بين خبرتك المتراكمة في مكان قديم وبين أسابيعك الأولى في مكان جديد.
شبكة العلاقات القديمة جزء مما فقدته
ترك الوظيفة لا يقطع عقد العمل فقط.
قد يقطع أيضا شبكة يومية من الأشخاص الذين يعرفونك ويعرفون طريقة عملك وتعرف
أنت كيف تطلب منهم المساعدة من دون مقدمات طويلة.
في المكان القديم ربما كان لديك شخص تسأله عند التعطل وزميل تفهم معه ضغط يوم معين ومجموعة تعرف تاريخك المهني.
هذه العلاقات تقلل كثيرا من الاحتكاك الاجتماعي الذي لا تراه في وصف الوظيفة الرسمي.
عند الانتقال قد تكون أمام فريق جيد فعلا، لكنك لم تبن معه بعد تاريخا مشتركا.
تحتاج إلى معرفة من تثق به ومن يفضل الرسائل ومن يريد التفاصيل ومن يستطيع مساعدتك
عند ضغط العمل.
اقرأ ايضا : لماذا يصعب تجاوز نهاية لم يحدث فيها وداع واضح
هذا الجزء من التكيف لا يظهر في عرض العمل ولا يكتمل بمجرد توقيع العقد.
لذلك قد يكون اشتياقك إلى الوظيفة القديمة في بعض اللحظات اشتياقا إلى أشخاص بعينهم
أو إلى شعور الانتماء الذي كان متاحا هناك.
الاعتراف بذلك أدق من تحويل كل الحنين إلى رغبة في العودة.
الذاكرة قد تخفف حدة ما كان يزعجك
هناك سبب يجعل بعض الفترات الماضية تبدو ألين بعد أن نبتعد عنها.
أبحاث الذاكرة الذاتية وجدت في المتوسط أن الشحنة العاطفية السلبية لبعض الذكريات تتلاشى
أسرع من الشحنة الإيجابية.
هذا لا يعني أن العقل يحذف السيئ عمدا، لكنه يعني أن الإحساس الحالي بالماضي قد لا يطابق
تماما الإحساس الذي عشته وقت الحدث.
بعد الاستقالة يختفي المدير الذي كان يضغط عليك من يومك الحالي وتختفي ساعة العودة المتأخرة والمشكلة التي كانت تتكرر كل أسبوع.
أما المواقف اللطيفة والإنجازات والعلاقات فقد تبقى سهلة الاستدعاء لأنها تحمل قيمة ومعنى.
وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن نصف كل حنين بأنه تجميل زائف.
الحنين قد يساعد الإنسان على ربط ماضيه بحاضره والشعور بأن مراحل حياته متصلة وليست أجزاء منفصلة.
لذلك وظيفة الذاكرة هنا ليست محكمة تكشف القرار الصحيح أو الخاطئ.
استخدم الذكريات كمعلومات، لكن لا تجعل النسخة التي تتذكرها اليوم بديلا عن الصورة الكاملة
التي اتخذت القرار داخلها.
وقد تكون للحنين وظيفة أخرى مفيدة.
بعض أبحاث
الحنين تربطه بالشعور باستمرارية الذات، أي أن الإنسان يستطيع أن يرى ماضيه وحاضره كقصة واحدة بدلا من الشعور أنه فقد نسخة كاملة من نفسه عند الانتقال.
لذلك قد يكون تذكرك لمكان العمل القديم محاولة لفهم ما الذي أخذته معك منه من خبرة وعلاقات وقيم، لا دعوة للرجوع إليه.
هذه القراءة أكثر اتزانا من افتراض أن الذاكرة تخدعك أو أن الحنين يخبرك بالحقيقة كاملة.
لا تجعل صعوبة البداية دليلا على أن الماضي كان أفضل
المكان الجديد قد يكون أفضل في جوانب مهمة ويظل أصعب عليك مؤقتا.
الجديد يطلب انتباها أكثر لأنك لم تبن خرائطه بعد.
المهام البسيطة تأخذ وقتا أطول والعلاقات تحتاج قراءة والسمعة لم تتكون بعد.
هذا الفرق قد يصنع مقارنة مضللة.
أنت تقارن بيئة قديمة وصلت فيها إلى مستوى عال من الألفة ببيئة جديدة ما زلت تتعلمها.
ليست المقارنة بين وظيفتين فقط، بل بين مرحلتين مختلفتين جدا من التكيف.
الدراسة الحديثة للتكيف لدى الموظفين الجدد ما زالت تضع وضوح الدور والتمكن من المهمة
والقبول الاجتماعي في مركز العملية.
وهذه العناصر لا تظهر كلها في اليوم الأول.
من المفيد أن تسأل هل ما يزعجني عيب ثابت في الوظيفة الجديدة، أم تكلفة تعلم
يمكن أن تتغير مع الوقت.
الإجابة ليست مضمونة في أي اتجاه، لكنها أفضل من استنتاج أن الحنين نفسه أثبت أن الماضي كان أنسب.
افصل بين الحنين والندم الحقيقي
الحنين يقول إن شيئا في الماضي ما زال له قيمة عاطفية عندك.
أما الندم المهني المفيد فيحتاج أكثر من ذلك.
يحتاج إلى معلومة تقول إن القرار نفسه كان سيختلف لو كنت تعرف ما تعرفه الآن.
قد تكتشف مثلا أن الفرصة الجديدة مختلفة جذريا عما عرض عليك أو أن شرطا أساسيا تغير أو أن السبب الذي دفعك للمغادرة كان قابلا للحل بطريقة لم تكن تعرفها.
هذه معلومات يمكن أن تستحق إعادة تقييم.
أما أن تشعر
بالوحدة في أول شهر أو تفتقد زملاءك أو تنزعج لأنك أصبحت تسأل عن إجراءات كنت تنجزها سابقا بلا تفكير، فهذه المشاعر لا تكفي وحدها للحكم على جودة القرار.
السؤال الحاسم هو هل ظهرت حقائق جديدة عن الوظيفة القديمة أو الجديدة تغير ميزان القرار،
أم أن الذي تغير هو شعورك بعد فقد الألفة.
ويمكن أن يساعدك فصل الزمنين.
اسأل نفسك ما الذي كنت تعرفه يوم الاستقالة، ثم ما الذي عرفته بعد الانتقال.
إذا كانت الأسباب التي بنيت عليها قرارك ما زالت صحيحة، فمجرد أن الحاضر أصعب مما توقعت
لا يجعل الماضي أفضل تلقائيا.
أما إذا ظهرت معلومات جوهرية جديدة، فمراجعة القرار ليست خيانة لنسختك السابقة بل استجابة لمعطيات لم تكن متاحة لها.
اختبر الوظيفة القديمة كحزمة كاملة لا كأجزاء منتقاة
عندما يشتد الحنين جرب سؤالا أكثر صرامة.
لو عادت الوظيفة القديمة اليوم بالشروط نفسها التي كانت موجودة عند رحيلك، بالمدير نفسه والراتب نفسه والضغط نفسه وفرص النمو نفسها ونمط اليوم نفسه، هل ستختارها من جديد.
هذا السؤال يمنع الذاكرة من إعادة بناء وظيفة محررة من عيوبها.
من السهل أن نشتاق إلى الزملاء ونضيف إليهم التمكن والروتين والراتب المستقر، ثم نحذف
من الصورة ساعات العمل أو الجمود أو المشكلة التي جعلت الرحيل ضروريا.
إذا كانت إجابتك أن بعض الأشياء فقط هي التي تريدها، فقد أصبحت لديك معلومة أدق.
أنت لا تريد بالضرورة العودة، بل تريد استعادة عناصر كانت تخدمك.
أما إذا وجدت أنك ستقبل الحزمة كاملة بعد معرفة ما تعرفه اليوم، فهنا يصبح الحنين
أقرب إلى سبب حقيقي لإعادة التقييم وليس مجرد ذكرى دافئة.
انقل ما تفتقده إلى حياتك الحالية إن كان قابلا للنقل
بعد أن تحدد ما تفتقده اسأل هل يحتاج إلى استعادة الوظيفة القديمة فعلا.
بعض العناصر قابلة للنقل.
إذا كنت تفتقد علاقات معينة فقد تستطيع الاحتفاظ بها خارج المؤسسة إذا كان ذلك مناسبا.
وإذا كنت تفتقد الشعور بالتمكن فقد يكون ما تحتاجه هو وقت تعلم أهدأ أو طلب معلومات
أوضح أو بناء نظام شخصي لفهم العمل الجديد.
إذا كنت تفتقد الاعتراف بقيمتك المهنية، فربما تحتاج إلى معايير أوضح لقياس تقدمك في المرحلة الجديدة بدل الاعتماد على السمعة التي بنيتها سابقا.
وإذا كنت تفتقد روتينك اليومي، تستطيع بناء روتين جديد من دون استعادة البيئة التي لم تعد تناسبك.
هذه الخطوة تحول الحنين من سؤال عن الماضي إلى معلومة عن حاجة حاضرة.
بدلا من أن تقول أريد وظيفتي القديمة، تصبح قادرا على قول أفتقد الانتماء أو الوضوح
أو التمكن أو الاستقرار.
وكل كلمة من هذه الكلمات تقود إلى قرار مختلف.
وهنا تظهر فائدة مهمة.
إذا استطعت بناء العنصر الذي تفتقده في حياتك الحالية ثم انخفض الحنين، فقد عرفت أن المشكلة
لم تكن في غياب الشركة القديمة كلها.
وإذا بقي شعور قوي ومتكرر بأن الحزمة المهنية الحالية لا تناسبك حتى بعد زوال صعوبة البداية،
فهذه معلومة مختلفة تستحق التقييم على أساس العمل الحالي نفسه لا على أساس الماضي وحده.
أعد تقييم قرارك فقط عندما تظهر معلومات تستحق ذلك
ليس الهدف أن تتمسك بالاستقالة لأنك اتخذتها بإرادتك.
القرارات الناضجة قابلة للمراجعة عندما تظهر معلومات جديدة.
كما أن العودة إلى جهة عمل سابقة ليست فشلا إذا تغيرت الشروط وأصبحت مناسبة لك بالفعل.
لكن لا تجعل كل موجة حنين جلسة محاكمة لقرارك.
احتفظ بالأسباب التي جعلتك ترحل بصورة واقعية، وحدثها فقط عندما تتغير الحقائق
لا عندما تتغير حرارة الذكرى.
يمكنك استخدام اختبار بسيط.
حدد ما
تشتاق إليه، ثم اسأل هل هو جزء من الوظيفة أم الوظيفة كلها، وهل افتقاده مؤقت بسبب مرحلة الانتقال، وهل تستطيع بناء بديل له، وهل ظهرت معلومة جديدة تجعل قرارك القديم أقل مناسبة.
بهذا يصبح الحنين مفيدا من دون أن يتحول إلى بوصلة وحيدة.
اقرأ ايضا : لماذا يصعب بناء عادات جديدة عندما تتغير حياتك بالكامل
قد يخبرك بما كان جيدا في مرحلة سابقة وبما تحتاجه الآن، لكنه لا يملك وحده أن يقول لك إن عليك العودة.
الوظيفة التي تركتها كانت مرحلة حقيقية من حياتك، ومن الطبيعي أن تحمل أشياء تستحق الامتنان وأشياء جعلت الرحيل منطقيا في الوقت نفسه.
النضج هنا ليس أن تمنع نفسك من الاشتياق، بل أن تعرف ما الذي تشتاق إليه بالضبط،
ثم تقرر هل يحتاج هذا الشيء إلى عودة أم إلى بناء جديد في المكان الذي اخترت أن تكمل منه.
