من تكون حين تسقط كل المسميات من حولك؟

من تكون حين تسقط كل المسميات من حولك؟

تحولات الحياة

تخيل للحظة ذلك المشهد الذي يخشاه الجميع، والذي ربما مررت به أنت أو أحد المقربين منك؛

 اللحظة التي يرن فيها الهاتف في وقت متأخر من الليل بخبر غير متوقع يقلب موازين حياتك رأسًا على عقب، أو تلك الرسالة البريدية الباردة والمقتضبة التي تنهي مسيرة مهنية دامت لعقود من الزمن في غمضة عين، أو ربما تلك الليلة الشتوية الباردة التي تجد فيها نفسك وحيدًا تمامًا في منزل واسع كان يضج بالحياة والضحكات والذكريات الدافئة بالأمس القريب.

القوة الداخلية عند تغير الظروف وفقد الاستقرار
القوة الداخلية عند تغير الظروف وفقد الاستقرار

في تلك الثواني الفاصلة والحاسمة، تشعر وكأن الأرض الصلبة التي كنت تقف عليها بثبات وثقة قد تحولت فجأة ودون سابق إنذار إلى رمال متحركة تبتلع كل ما بنيته من أمان واستقرار وطمأنينة.

 إن العالم من حولك يواصل دورانه ببرود غريب ومستفز، السيارات تسير في الشوارع المزدحمة كالمعتاد، والناس يضحكون في المقاهي وكأن شيئًا لم يحدث، بينما عالمك الداخلي الخاص ينهار بصمت مطبق ومؤلم.

 السؤال الذي يطرق جدران عقلك في تلك العزلة القاسية ليس  لماذا حدث هذا لي؟

 رغم إلحاحه، بل هو سؤال أعمق وأخطر يمس جوهر وجودك:  من أنا الآن بعد أن ذهب كل هذا؟ من أكون بلا وظيفتي، بلا شريكي، بلا مكانتي؟ .

 إن البحث عن القوة في زمن الرخاء والهدوء قد يكون ترفًا فكريًا، ولكن البحث عنها عندما تتغير كل الظروف وتغلق الأبواب هو مسألة بقاء وضرورة حتمية.

 هذا المقال المطول والشامل ليس مجرد لائحة نصائح وردية لتجاوز الأحزان العابرة، بل هو رحلة استقصائية وغوص عميق جدًا في النفس البشرية لاستكشاف تلك المنطقة الخفية والمقدسة التي تظل مضيئة ومتوهجة حتى عندما تنطفئ كل أنوار العالم الخارجي، وكيف يمكن للإنسان العادي أن يتحول في أوقات الشدة من ورقة خريف يابسة في مهب الريح إلى شجرة سنديان عتيقة تزداد رسوخًا وقوة كلما اشتدت العواصف من حولها.

جذور الأزمة: وهم الثبات الخارجي وهشاشة الهوية

تبدأ مأساتنا الحقيقية ومعاناتنا مع التغيير المفاجئ من  الوهم  الكبير الذي نعيشه لسنوات طويلة دون أن نشعر، وهو وهم أن الاستقرار الخارجي هو الأصل والقاعدة، وأن ما نملكه من وظائف مرموقة، وعلاقات اجتماعية، وممتلكات مادية، هو جزء لا يتجزأ من هويتنا وذواتنا العميقة.

 نحن نربط قيمتنا الشخصية وإحساسنا بالاستحقاق بما هو متغير وزائل بطبيعته؛ فنعرف أنفسنا للآخرين ولأنفسنا بـ  أنا المدير العام للشركة الفلانية  أو  أنا زوج السيدة فلانة  أو  أنا صاحب ذلك المنزل الكبير في الحي الراقي .

 وحينما تأتي عواصف الحياة الهوجاء -وهي سنة كونية لا مفر منها- وتقتلع هذه الألقاب والمظاهر، لا نشعر فقط بألم الفقد والخسارة، بل نشعر بالتلاشي والعدم، وكأننا فقدنا وجودنا ذاته وتبعثرت أشلاؤنا.

القوة الحقيقية في هذه المرحلة الحرجة تبدأ من لحظة  فك الارتباط  المؤلمة ولكن الضرورية جدًا بين قيمتك الجوهرية كإنسان مكرم وبين ظروفك المتغيرة والمتقلبة.

 إن ما يمنحك القوة ليس قدرتك الخارقة على استعادة ما فقدته فورًا، بل قدرتك العميقة على إدراك أن  الجوهر  الأصيل الذي بداخلك لم يُمس ولم يتأثر.

 لنتأمل بتعمق قصة رجل أعمال عصامي فقد كل ثروته وممتلكاته في أزمة اقتصادية طاحنة دمرت الأسواق؛ إذا كان هذا الرجل يستمد قوته وثقته بنفسه حصريًا من رصيده البنكي وأرقام حساباته، فسوف ينهار وينتهي به المطاف في مصحة نفسية أو في عزلة قاتلة.

 أما إذا كان يدرك بوعي تام أن ثروته الحقيقية والدائمة هي عقليته التجارية الفذة، ومرونته في التعامل مع الأزمات، وشبكة علاقاته الإنسانية الصادقة، وخبرته المتراكمة، فإنه سيعتبر الإفلاس مجرد  جولة خاسرة  أو  كبوة جواد  في لعبة طويلة يتقنها جيدًا، وسينهض من جديد ليبني إمبراطورية أخرى، ربما تكون أقوى من الأولى.

 القوة هنا هي الوعي العميق بأنك أنت  اللاعب  الماهر ولست  النتيجة  المؤقتة التي تظهر على لوحة التسجيل.

 هذا الفصل الذهني بين  من أكون  و ماذا أملك  هو حجر الزاوية الأول في بناء حصن المناعة النفسية ضد صدمات الحياة.

فن الجلوس في الظلام: قوة الاعتراف بالألم

ومع تعمقنا في فهم آليات الصمود البشري، نجد أن العنصر الأهم والأكثر فاعلية الذي يمنحنا الثبات ليس  الإنكار  أو التظاهر بالقوة والصلابة الزائفة أمام الناس، بل هو القدرة الهائلة والشجاعة على  الاعتراف بالألم  واحتضانه دون الغرق فيه أو الاستسلام له.

 الثقافة المجتمعية السائدة، وكتب التنمية البشرية التجارية، تدفعنا دائمًا وبإلحاح نحو ما يسمى بـ  الإيجابية السامة ، وتطالبنا بالابتسام فور وقوع المصيبة، والبحث عن الجانب المشرق قبل أن تبرد الجراح، وهذا في الحقيقة هو أقصر وأسرع طريق للانهيار العصبي والكبت النفسي الذي ينفجر لاحقًا أمراضًا جسدية ونفسية.

القوة الحقيقية تكمن في الجلوس بهدوء في  غرفة الانتظار  المظلمة والموحشة، والسماح لمشاعر الحزن، والخوف، والغضب، والخذلان أن تأخذ دورتها الطبيعية في الجسد والروح دون جلد للذات أو شعور بالعار.

اقرأ ايضا: لماذا تهتز هويتك قبل أن يولد توازنك الجديد؟

 عندما تمتلك الشجاعة لتعترف لنفسك بصدق وتجرد:  أنا خائف جدًا، والوضع الحالي مرعب وغامض، ولا أعرف ماذا سأفعل غدًا، وأشعر بضعف شديد ، فأنت في الواقع تمسك بزمام المبادرة وتضع قدمك على أول طريق التعافي.

هذا الاعتراف الصادق يوقف النزيف المستمر للطاقة النفسية التي كانت تُهدر في المقاومة العبثية للواقع وإنكاره، ويحول تلك الطاقة الثمينة نحو التكيف والبحث عن حلول.

تخيل معي قبطان سفينة شراعية وجد نفسه فجأة وسط عاصفة هوجاء في عرض المحيط؛ هو لا يضيع وقته الثمين في الصراخ على الأمواج لتتوقف، ولا يغلق عينيه وينكر وجود العاصفة مدعيًا أن الجو مشمس، بل يعترف بخطورتها وحجمها، ويوجه كل تركيزه وخبرته لتثبيت الدفة، وضبط الأشرعة، وتأمين طاقمه.

 القبول الجذري للواقع كما هو، بقسوته ومرارته الحالية، هو نقطة الارتكاز الأولى والصلبة التي يمكنك أن تبني عليها خطة النجاة والعبور إلى الشاطئ الآخر.

 إن رفض الواقع هو الذي يسبب المعاناة، أما قبوله فهو الذي يفتح باب الحكمة والعمل.

طقوس النجاة الصغيرة: السيطرة على ما يمكن السيطرة عليه

من الزوايا الخفية والدقيقة التي تغيب عن الكثيرين أثناء الأزمات الكبرى، أن القوة في أوقات التغيير الجذري لا تأتي من القرارات المصيرية الضخمة فحسب، بل تأتي بشكل أساسي من  الطقوس الصغيرة  والروتين اليومي البسيط والمتكرر الذي قد يبدو تافهًا ولا قيمة له في نظر المراقب الخارجي.

 عندما ينهار الهيكل الكبير والمنظم لحياتك (كالعمل أو الأسرة)، تصبح التفاصيل الصغيرة والعادات اليومية هي خط الدفاع الأخير والحصن المنيع عن توازنك العقلي والنفسي.

 في أوقات الفوضى الشاملة وانعدام اليقين، يحتاج العقل البشري بشدة إلى أي شكل من أشكال  النظام  والانضباط ليتمسك به ويشعر بالأمان.

قد يكون هذا النظام البسيط هو الالتزام الصارم بالاستيقاظ في السابعة صباحًا كل يوم مهما كانت الظروف، لصنع القهوة بنفس الطريقة وبنفس الكوب، أو ترتيب السرير بعناية فائقة فور النهوض، أو المشي في الحي لمدة عشرين دقيقة، أو قراءة ورد يومي من كتاب، أو حتى ري النباتات المنزلية.

 هذه الأفعال البسيطة والروتينية ترسل رسالة قوية ومطمئنة للجهاز العصبي المركزي مفادها:  قد لا أتحكم في الاقتصاد العالمي المنهار، أو في قرار طليقي بالانفصال، أو في تشخيص الطبيب لمرضي، لكنني ما زلت أتحكم في هذا الفنجان، وفي ترتيب هذه الغرفة، وفي حركة جسدي .

لنتذكر ونستلهم من قصص الناجين في الظروف القاسية جدًا عبر التاريخ، كالذين عاشوا سنوات طويلة في مخيمات اللجوء المكتظة أو في السجون الانفرادية؛

 سنجد دائمًا أن من حافظوا على قواهم العقلية وتماسكهم النفسي ولم يسقطوا في الجنون، هم أولئك الذين خلقوا لأنفسهم روتينًا يوميًا صارمًا ومقدسًا وسط العبثية والفوضى المحيطة بهم.

 أحدهم كان يخصص ساعة لتعليم الأطفال، وآخر كان يمارس الرياضة في مساحة مترين، وثالث كان يكتب مذكراته على قصاصات ورق.

الغربلة الاجتماعية: اكتشاف معدن البشر وقوة الندرة

يأخذنا التحليل العميق إلى بُعد اجتماعي ونفسي آخر يتعلق بـ  الغربلة  القاسية التي تفرضها الظروف الصعبة، وكيف تتحول هذه الغربلة المؤلمة في البداية إلى مصدر قوة هائل وغير متوقع.

 في أوقات الرخاء والنجاح، تمتلئ حياتنا بالضجيج، والعلاقات السطحية، والمجاملات الاجتماعية الفارغة التي تستنزف وقتنا وطاقتنا ومشاعرنا دون أن نشعر.

 نكون محاطين بجيش من  الأصدقاء  والمعارف الذين ينجذبون لضوء نجاحنا كما تنجذب الفراشات للنار.

 ولكن عندما تتغير الظروف، وتنطفئ الأضواء، وتسقط الأقنعة الزائفة، يحدث  نقاء قسري  وكاشف لبيئتك الاجتماعية.

يختفي المزيفون بسرعة مذهلة، ويتبخر أصدقاء المصلحة وكأنهم لم يكونوا، ولا يتبقى حولك في تلك الساحة الخالية إلا  الندرة الصادقة ؛ أولئك القلة القليلة من البشر الذين يحبونك لذاتك المجردة، ولروحك الإنسانية، لا لمنصبك، أو مالك، أو نفوذ أهلك.

 هذا الاكتشاف، رغم قسوته ومرارته الشديدة في البداية وشعورك بالخذلان، يمنحك لاحقًا خفة نفسية وتحررًا هائلين.

 أنت لم تعد مضطرًا لتمثيل أدوار اجتماعية لا تشبهك، ولم تعد بحاجة لصيانة علاقات متهالكة ومنافقة تستنزفك.

كيمياء التحول: تغيير زاوية النظر للمجهول

علاوة على ذلك، تكمن القوة العظمى والحكمة البالغة في القدرة على تغيير  زاوية الرؤية  والإدراك تجاه المجهول والمستقبل الغامض.

 نحن كبشر مبرمجون بيولوجيًا وتطوريًا للخوف من المجهول واعتباره تهديدًا وخطرًا محتملاً، ولكن التاريخ البشري والتجارب الشخصية تثبت أن التحولات الكبرى تحمل في طياتها دائمًا بذور فرص عظيمة لم نكن لنراها أو نلتفت إليها لولا انهيار الجدران القديمة التي كانت تحجب الرؤية.

 الظروف القاسية تجبرنا قسرًا على الحفر عميقًا في ذواتنا واكتشاف مساحات، ومواهب، وقدرات كانت نائمة ومدفونة تحت غبار الروتين اليومي والراحة القاتلة للإبداع.

كم من كاتب عالمي مبدع ولدت موهبته الفذة من رحم العزلة القسرية أو السجن؟

 وكم من مشروع ريادي ناجح غيّر وجه السوق قام أساسًا على أنقاض فصل تعسفي وظالم من وظيفة مملة وتقليدية؟

 وكم من شخص اكتشف شغفه الحقيقي بالرسم أو الطهي أو الزراعة بعد تقاعد مبكر غير مخطط له؟

 القوة تأتي عندما تتوقف عن طرح سؤال الضحية:  ماذا أخذت مني هذه التجربة المؤلمة؟

 وتبدأ بشجاعة في طرح سؤال البطل:  ماذا يمكنني أن أصنع وابني من هذا الركام المتناثر؟ .

الروحانية العميقة: التسليم النشط وفك التعلق

وفي عمق هذه التجربة الإنسانية، نصل إلى المفهوم الروحي والفلسفي الراقي لـ  التسليم النشط .

 هناك فرق شاسع ودقيق بين الاستسلام الذي يعني الهزيمة، واليأس، ورفع الراية البيضاء، وبين التسليم الذي يعني الثقة المطلقة في حكمة أكبر وأعظم تدير هذا الكون الفسيح بدقة متناهية.

 عندما تدرك بيقين أنك فعلت كل ما في وسعك، واستنفدت كل الأسباب المتاحة، وأن النتائج النهائية ليست بيدك ولا تحت سيطرتك، فإن هذا الإدراك يزيح عن كاهلك جبلًا ثقيلًا من القلق، والتوتر، ومحاولة التحكم المستحيلة في مجريات القدر.

القوة هنا تأتي من  فك التعلق  المرضي بالنتائج المحددة والصور الذهنية التي رسمتها مسبقًا في مخيلتك لمستقبلك.

 ربما كنت تخطط وتحلم لسنوات بأن تكون مديرًا تنفيذيًا في هذه الشركة المرموقة، لكن القدر يخبئ لك مسارًا مختلفًا تمامًا وأجمل، كأن تكون مدربًا ملهمًا أو مستشارًا مستقلًا حرًا.

 التمسك المتعنت بالصورة القديمة يسبب الألم والمعاناة، أما المرونة والانفتاح القلبي على مسارات القدر المتشعبة والجديدة فيمنحك السلام والرضا.

العلاج بالعطاء: الخروج من الذات لخدمة الآخر

ومن الجدير بالذكر والتأمل، أن أحد أهم وأغرب مصادر القوة في أوقات التحول والأزمات هو  التركيز على خدمة الآخرين .

 قد يبدو هذا الأمر متناقضًا وغير منطقي للوهلة الأولى؛ كيف أساعد غيري وأنا أغرق وأحتاج للمساعدة؟ لكن علم النفس الحديث، وتجارب الحكماء عبر العصور، تؤكد حقيقة مذهلة: الخروج من قوقعة الذات والتوجه نحو الآخر هو أسرع وأنجع علاج للشعور بالعجز والضآلة.

 عندما تكون في أزمة طاحنة، ابحث عن شخص آخر يمر بأزمة مشابهة أو مختلفة وحاول مساعدته ولو بكلمة طيبة أو بفعل بسيط.

قوة الاستمرار: النهوض المترنح خير من البقاء ساقطًا

يجب أن ندرك ونتقبل حقيقة أن القوة التي نبحث عنها ليست حالة ثابتة، ومستمرة، ومثالية طوال الوقت، بل هي موجات متقلبة من المد والجزر، تمامًا كحركة البحر.

 سيكون هناك أيام مشرقة تشعر فيها بطاقة جبارة وبأنك قادر على غزو العالم وتجاوز كل العقبات، وسيكون هناك أيام أخرى مظلمة وثقيلة لا تقوى فيها حتى على مغادرة فراشك أو الرد على الهاتف.

 وهذا أمر طبيعي وإنساني تمامًا ولا يعيبك.

القوة الحقيقية والمرونة النفسية تكمن في  الاستمرار  والمضي قدمًا رغم هذا التذبذب، وفي ممارسة  الرحمة بالنفس  في الأيام الصعبة بدلًا من جلدها ولومها.

 إنها القدرة على البدء من جديد كل صباح، حتى لو كان هذا البدء متواضعًا جدًا، كأن تكتفي بغسل وجهك وتنظيف أسنانك.

 لا تقاس القوة في معايير الحياة الحقيقية بعدم السقوط أبدًا، فهذا مستحيل، بل تقاس بسرعة النهوض، أو حتى بالنهوض البطيء، والمترنح، والمتألم، المهم أنك تنهض وتحاول الوقوف مرة أخرى.

 تذكر دائمًا أن المعادن الثمينة والسيوف القوية لا تُصقل وتشتد إلا بمرورها بالنار والطرق الشديد، وأن أجمل اللوحات الفنية وأخلدها هي التي رُسمت بألوان المعاناة الداكنة الممزوجة بضوء الأمل الخافت.

ولادة النسخة الأجمل

في نهاية المطاف، إن الظروف المتغيرة، والعواصف الهوجاء، والمنعطفات الحادة في مسيرة حياتنا، ليست أعداءً أشرارًا جاؤوا لتدميرنا وتحطيم أحلامنا، بل هم في حقيقة الأمر  مدربون قساة  وصارمون جاؤوا لمهمة محددة: ليكشفوا لك عن نسخة جديدة ومذهلة منك، نسخة لم تكن لتعرفها أو تكتشفها أبدًا في أوقات الدعة، والراحة، والرخاء المستمر.

 تلك النسخة الصلبة التي لا تعتمد في تعريفها لنفسها على المسميات الخارجية البراقة، ولا تهتز من الأعماق برحيل الأشياء أو الأشخاص، ولا تخشى البدايات الجديدة مهما كانت غامضة.

اقرأ ايضا: لماذا يسبق الشعور بالضياع لحظات التحول الكبرى في حياتك؟

عندما ينقشع الغبار في نهاية المطاف، وتعود المياه إلى مجاريها -أو تجد مجاري وأنهارًا جديدة وأوسع- ستنظر في المرآة طويلًا، ولن ترى ذلك الشخص الهش الذي كان يرتجف خوفًا ورعبًا في بداية الأزمة، بل سترى إنسانًا جديدًا بعينين عميقتين تلمع فيهما الحكمة، وروحًا مصقولة بالتجارب، وقلبًا كبيرًا ومطمئنًا يعرف يقينًا لا يخالطه شك أن أمانه الحقيقي لم يكن يومًا في البيت، أو الوظيفة، أو رصيد البنك، أو حتى في وجود أشخاص معينين، بل كان دائمًا وأبدًا في ذلك الحصن المنيع والمقدس الذي بناه بصبر، وإيمان، ووعي داخل صدره، والذي لا تستطيع أي قوة في العالم انتزاعه منه.

 هذه هي القوة التي لا تقهر، وهذا هو المكسب الحقيقي من رحلة الحياة الشاقة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال