لماذا لا يأتي السلام حين تهدأ الحياة بل حين تقرر أنت؟

لماذا لا يأتي السلام حين تهدأ الحياة بل حين تقرر أنت؟

 سلامك الداخلي

في ظهيرة يوم صيفي حار من أيام أغسطس اللاهبة، يقف "ياسر" وسط ازدحام مروري خانق على جسر المدينة المعلق.

شخص يقف بهدوء تحت المطر بابتسامة تعبر عن السلام الداخلي والقبول
شخص يقف بهدوء تحت المطر بابتسامة تعبر عن السلام الداخلي والقبول

السيارات تزمجر من حوله كوحوش معدنية محبوسة، والشمس العمودية تلهب سقف مركبته القديمة، ومكيف الهواء قرر فجأة، وفي أسوأ توقيت ممكن، أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ويتوقف عن العمل.

في تلك اللحظة الدقيقة، كان السيناريو المعتاد والمتوقع جاهزًا للتنفيذ بحذافيره: ارتفاع فوري في ضغط الدم، ضرب عجلة القيادة بقبضة الغضب المرتجفة، شتم الظروف والحظ العاثر والمسؤولين عن الطريق، والشعور العميق والمؤلم بأن الكون كله يتآمر ببراعة لإفساد يومه وتدمير مزاجه.

لكن شيئًا غريبًا، وغير مألوف، حدث في تلك الثانية. نظر ياسر إلى المرآة الجانبية، رأى وجهه المحتقن وعروقه النافرة، وتوقف للحظة زمنية بدت وكأنها دهر.

أخذ نفسًا عميقًا ملأ به رئتيه بالهواء الساخن، وقرر بوعي تام وصارم أن يرفض "الدعوة للغضب" التي قدمتها له الظروف على طبق من ذهب.

 لم يتغير الازدحام قيد أنملة، ولم يبرد الجو درجة واحدة، ولم تُصلح السيارة بقدرة قادر، لكن "ياسر" هو الذي تغير

. في تلك الثانية الفاصلة، انتقل من كونه ريشة خفيفة تتقاذفها رياح الظروف كيفما شاءت، إلى كونه الجبل الراسخ الذي تصطدم به الرياح ولا تحرك منه ساكنًا.

هذا المشهد البسيط، الذي قد يتكرر بصور مختلفة في حياتنا اليومية، يكشف لنا الحقيقة الكبرى والمنسية التي نغفل عنها في غمرة ركضنا: السلام ليس طقسًا جميلاً ننتظر هطوله من سماء القدر، بل هو مظلة نختار بملء إرادتنا أن نفتحها بأيدينا حين تشتد العاصفة. 

إنه ليس هبة تمنحها الحياة للمحظوظين، بل هو "صنعة" يتقنها الحكماء، وقرار يتخذه الشجعان في أحلك اللحظات.

وهم الظروف المثالية: انتظار السراب

كثيرًا ما نقع في فخ ربط "السلام الداخلي" واشتراطه بتوفر الظروف المثالية الخارجية.

في مخيلتنا الجمعية، نتصور السلام كجلسة تأمل هادئة أمام بحر لازوردي، أو كحياة خالية تمامًا من الديون البنكية، والمشاكل العائلية، والمنغصات الصحية، وتحديات العمل.

نعيش حياتنا في حالة "انتظار" دائم؛

ننتظر أن يكبر الأطفال، ننتظر أن نسدد القرض، ننتظر أن يرحل المدير المزعج، ننتظر أن تهدأ أمواج الحياة المتلاطمة لنشعر بالسكينة. وهذه، لعمري، هي الخديعة الكبرى التي تسرق أعمارنا.

إذا ربطنا سلامنا واستقرارنا النفسي بسلوك الآخرين، أو بتقلبات الاقتصاد العالمي، أو بحالة الطقس، أو برضا الناس عنا، فإننا بذلك نسلم مفاتيح "بيتنا الداخلي" ومقدساتنا النفسية لغرباء لا يبالون بنا، ولظروف عمياء لا ترحم.

سنعيش في حالة قلق مزمن، نترقب المجهول بخوف، ونسمح لأي عابر سبيل بكلمة جارحة أو نظرة ازدراء أن يسرق نومنا لأيام، وربما لأسابيع.

 الحقيقة المؤلمة، والمحررة في آن واحد، هي أن العالم الخارجي لن يتوقف أبدًا عن كونه فوضويًا، وغير عادل في كثير من الأحيان، وغير متوقع النتائج.

الناس سيخيبون ظنك، والخطط المحكمة ستفشل، والأحلام الوردية قد تتأجل أو تتبخر.

تحرير الروح من عبودية الانفعال

إننا نتعامل مع مشاعرنا في الغالب وكأنها "قضاء وقدر" لا مفر منه، أو كأنها ضيوف ثقلاء يقتحمون منزلنا النفسي عنوة دون إذن، ونعتقد باستسلام أننا مجبرون على استضافتهم وخدمتهم والخضوع لنزواتهم.

 يأتي الغضب فنشتعل نارًا، يأتي الحزن فننكسر زجاجًا، يأتي القلق فنرتجف كعصفور مبلل.

لكن، ماذا لو أعدنا تعريف العلاقة؟

 ماذا لو قلنا إننا نحن "أصحاب المنزل"، وأن هذه المشاعر مجرد زوار عابرين؟

ماذا لو كان بإمكاننا أن نراقب هؤلاء الضيوف وهم يدخلون ويخرجون من بوابة وعينا، دون أن نسمح لهم ببعثرة أثاثنا النفسي، أو كسر مقتنياتنا الثمينة، أو الاستيلاء على غرفة القيادة؟

السلام الداخلي هو هذا الموقف الحازم والنبيل الذي تتخذه الروح لتقول بصوت مسموع: "أنا أرى الألم، وأشعر به، وأحترمه، لكني أختار ألا أصبح أنا الألم".

 إنه الانتقال النوعي من "رد الفعل" الغريزي المنفلت الذي تحركه اللوزة الدماغية ، إلى "الاستجابة" الواعية والمتزنة التي تديرها قشرة الفص الجبهي.

الوعي الذاتي: المسافة الآمنة

"الوعي الذاتي" هو الخطوة الأولى والأساسية في هذا "الانقلاب الأبيض" لاستعادة العرش.

 إنه القدرة الفذة على الوقوف على مسافة آمنة من ذاتك ومراقبة ما يدور في داخلك كشاهد محايد، دون الانجراف مع التيار.

 حين يوجه لك زميل في العمل نقدًا لاذعًا وغير عادل أمام الجميع، يشعر جسدك بالتوتر فورًا، وتتسارع دقات قلبك، وتحتقن أذناك، وتستعد عضلاتك للهجوم.

هذا رد فعل بيولوجي طبيعي ومبرمج في جيناتنا منذ أيام رجل الكهف الذي كان يواجه الأسود.

 لكن، نحن اليوم لا نواجه أسودًا، بل نواجه كلمات ومواقف.

ما يحدث بعد تلك الثواني الأولى من التوتر البيولوجي هو "ملعبك الخاص".

هنا تظهر قوة الاختيار. هل ستنجرف في تيار الدفاع عن النفس، والصراخ، والهجوم المضاد، وتفسد يومك وعلاقاتك وربما وظيفتك؟

اقرأ ايضا: لماذا يختنق يومك رغم الراحة الظاهرة؟ وكيف تصنع واحة هدوء؟

أم ستختار أن تأخذ نفسًا عميقًا، وترى النقد كمعلومة مجردة، تأخذ منها ما يفيد إن وجد، وتلقي ما تبقى في سلة المهملات الذهنية، وتحافظ على ابتسامتك وثباتك الانفعالي؟

هذا الاختيار، في تلك اللحظة الحرجة، هو ما يصنع الفارق الهائل بين العبودية للمشاعر والحرية النفسية.

السلام كقرار يعني أن ترفض رفضًا قاطعًا لعب دور "الضحية".

عقلية الضحية دائمًا ما تجد مبررًا جاهزًا ومقنعًا لتعاستها في الخارج: "زوجي نكدي"، "مديري ظالم"، "البلد في أزمة"، "أهلي لم يفهموني".

 هذه المبررات قد تكون حقائق واقعية تمامًا، ولا أحد ينكر صعوبتها، لكن استخدامها كشماعة لتعليق سلامنا الداخلي هو استقالة طوعية من المسؤولية عن حياتنا.

 الشخص الذي قرر السلام يقول بوضوح: "نعم، الظروف صعبة، والناس قد يكونون مؤذين، لكن سعادتي وسلامي هما مسؤوليتي وحدي، ولن أفوض أحداً بهذه المهمة".

هذا لا يعني البرود أو التبلد أو عدم الاكتراث، بل يعني أنني أملك مساحة مقدسة في داخلي لا أسمح لأحد بتدنيسها، مهما كانت الظروف في الخارج قاسية وموحلة.

هندسة التوقعات والقبول الجذري

جزء كبير وعميق من معاناتنا وفقداننا لـ "الطمأنينة" ينبع من الفجوة الهائلة بين ما نتوقعه من الحياة ومن الناس، وبين واقع الحياة الفعلي وسلوك الناس الحقيقي.

نحن نرسم في عقولنا، ومنذ الطفولة، سيناريوهات مثالية وردية عن كيف يجب أن يعاملنا الناس، وكيف يجب أن يقدرنا العالم، وكيف يجب أن تسير خططنا بسلاسة.

 وحين يخالف الواقع العنيد هذه الرسومات الحالمة، نشعر بالخيانة، والصدمة، والألم، والغضب.

السلام كقرار يتطلب منا ممارسة نوع قاسٍ ولكن شافي من "الواقعية الرحيمة".

أن نقبل البشر بنقصهم وضعفهم وتقلبهم، ونقبل الحياة بمدها وجزرها، ونقبل أنفسنا بضعفها وزلاتها. القبول هنا هو كلمة السر.

لنتأمل قصة "سارة"، الأم الشابة التي كانت تسعى للمثالية في كل تفصيلة من حياتها.

كان بيتها يجب أن يكون نظيفًا ومعقمًا كغرفة عمليات دائمًا، وأطفالها متفوقين ومهذبين كملائكة، وطعامها صحيًا ومبتكرًا كل يوم، وعلاقتها الزوجية كأفلام الرومانسية.

 أي خلل بسيط في هذه المنظومة الدقيقة كان يسبب لها انهيارًا عصبيًا وشعورًا بالفشل الذريع.

 كانت تظن، واهمة، أن السلام سيأتي حين يكتمل كل شيء، وحين تصبح الصورة مطابقة للأصل الذي في ذهنها.

لكن، وبعد سنوات من الركض المنهك والتوتر المستمر الذي أثر على صحتها، أدركت الحقيقة البسيطة: الكمال وهم، والسعي خلفه هو وصفة مضمونة للقلق المؤبد.

 قررت سارة، في لحظة صدق مع النفس، أن تخفض سقف توقعاتها، ليس يأسًا أو كسلاً، بل رأفةً بنفسها وبمن حولها.

 قررت أن تتقبل الفوضى العارضة في المنزل كدليل على الحياة واللعب، وتتقبل الدرجات المتوسطة لأبنائها كجزء من رحلة تعلمهم، وتتقبل الأيام السيئة والمزاج المتعكر كجزء طبيعي من نسيج الحياة البشرية.

هذا القرار بـ "القبول الجذري" هو أعلى درجات السلام.

القبول ليس استسلامًا للهزيمة أو خنوعًا للظلم، بل هو "وقف لإطلاق النار" في حرب استنزاف خاسرة نشنها ضد طبائع الأشياء.

إنه الكف عن مجادلة الواقع، والبدء في التعامل معه كما هو، لا كما نريد له أن يكون.

"إدارة المشاعر" في هذا السياق لا تعني كبتها أو إنكار وجودها، فهذا يولد انفجارًا لاحقًا.

 بل تعني احتضانها برفق دون السماح لها بالقيادة.

 حين تشعر بالحزن، لا تقل "يجب ألا أحزن، أنا قوي"، بل قل "أنا حزين الآن، وهذا شعور إنساني طبيعي، وسيمر كما مر غيره".

هذا الاعتراف البسيط ينزع فتيل الأزمة ويزيل الضغط الإضافي الناتج عن "القلق بشأن القلق".

الألم النفسي يتضاعف بالمقاومة.

 القاعدة تقول: ما تقاومه يزداد ويستمر، وما تقبله يتلاشى ويختفي.

 حين تقاوم القلق، يزداد شراسة وتشبثًا بك.

لكن حين ترحب به كزائر عابر، وتراقبه بفضول، يفقد سطوته المرعبة عليك ويتحول إلى مجرد شعور غير مريح سيعبر حتمًا.

بناء الحصن الداخلي: الممارسات اليومية للإرادة

إذا اتفقنا أن السلام قرار، فكيف ندرب "عضلة الإرادة" هذه لتكون قادرة على حمل أثقال الحياة؟

الأمر يشبه تمامًا التدريب الرياضي في الصالة.

 لا يمكنك أن ترفع أوزانًا ثقيلة فجأة دون تحضير، وكذلك لا يمكنك أن تواجه مصائب كبرى بسلام تام إذا لم تتدرب على المنغصات الصغيرة والتفاهات اليومية.

كل موقف مزعج بسيط تواجهه هو "فرصة تدريبية" ذهبية ومجانية يقدمها لك القدر.

تأخر المصعد وأنت مستعجل؟

هذه ليست "مشكلة"، هذا تمرين على "الصبر".

سكب الطفل العصير على السجاد الجديد؟

 هذا تمرين على "المرونة والهدوء".

سائق متهور قطع عليك الطريق؟

هذا تمرين على "التسامح وضبط النفس".

هذه الانتصارات الصغيرة، التي قد لا يراها أحد غيرك، تتراكم يومًا بعد يوم لتبني "قوة الاختيار" لديك، وتجعل بنيانك النفسي صلبًا ومرنًا في آن واحد.

من أهم وأقوى أدوات هذا التدريب هو ممارسة "الامتنان الواعي".

 العقل البشري، بطبيعته التطورية، مبرمج بيولوجيًا للتركيز على السلبيات، والنواقص، والمخاطر من أجل البقاء.

 لكي تحقق السلام، عليك أن تجبر عقلك عمدًا وقسرًا، وبجهد واعٍ، على رؤية النصف الممتلئ من الكأس.

 هذا ليس تفاؤلاً ساذجًا يتجاهل الواقع، بل هو "إعادة توجيه للانتباه" نحو الموارد المتاحة.

في وسط يوم كئيب ومليء بالمشاكل، ابحث بقرار صارم عن ثلاثة أشياء جيدة حدثت مهما كانت صغيرة.

 قد تكون قهوة لذيذة شربتها في الصباح، أو ابتسامة غريب في الشارع، أو مجرد كونك تتنفس بلا ألم، أو أن لديك سقفًا يؤويك.

 الامتنان هو "المضاد الحيوي" الفوري والفعال للتذمر والاستياء والحسد.

إنه يحول التركيز الجراحي للعقل من "ما ينقصني" (وهو مصدر الشقاء) إلى "ما أملكه" (وهو مصدر الرضا)، وهنا يكمن سر الرضا العميق.

أيضًا، تنقية "البيئة المحيطة" هي جزء لا يتجزأ من قرار السلام.

نحن نستهلك المعلومات والمشاعر والأفكار كما نستهلك الطعام والشراب، ولها نفس التأثير على صحتنا، ولكن النفسية.

 إذا كنت تتابع أخبارًا مروعة عن الحروب والجرائم طوال اليوم، وتجالس أشخاصًا سلبيين وكثيري الشكوى والنميمة، فلا تتوقع بمعجزة أن تنعم بالسلام.

المدخلات الملوثة تنتج مخرجات ملوثة (نفسية مضطربة).

اتخاذ قرار حازم بتقليص التعرض للضوضاء الرقمية (السوشيال ميديا)، والانسحاب التدريجي من العلاقات السامة والمستنزفة، هو فعل من أفعال "الحفاظ على الذات" واحترام الروح.

 السلام يحتاج لمساحة نظيفة ليتنفس فيها، وهذه المساحة تُصنع بوعي عبر وضع حدود صحية.

 اختر معاركك بحكمة بالغة، فليس كل خلاف يستحق الرد، وليس كل سوء فهم يحتاج لتوضيح وتبرير، وليس كل خطأ يحتاج لتصحيح.

أحيانًا، وربما كثيرًا، يكون السلام في التجاهل الذكي، وفي الانسحاب الأنيق من مواقف لا تضيف لروحك إلا الثقل والظلام.

قوة الصمت والاتصال بالخالق

لا يمكن الحديث عن السلام الداخلي العميق في سياقنا العربي والإنساني دون التطرق للبعد الروحي.

السلام كقرار يجد جذوره الراسخة في "التسليم".

 التسليم ليس الاستسلام، بل هو الثقة المطلقة في وجود حكمة عليا تدير هذا الكون. حين تؤمن بأنك لست وحدك من يحمل ثقل العالم، وأن هناك مدبرًا حكيمًا، فإن جزءًا كبيرًا من القلق الوجودي يتلاشى.

القرار هنا هو "تفويض الأمر".

حين تفعل كل ما بوسعك، وتستنفذ كل الأسباب المادية، ثم تصل لطريق مسدود، فإن القرار الأسلم والأكثر راحة هو أن ترفع يدك عن عجلة القيادة وتقول بصدق: "يا رب، لقد فعلت ما بوسعي، والباقي عليك".

هذه اللحظة من التفويض الروحي هي لحظة ولادة السلام. إنها تزيح جبل "الهم" عن صدرك.

الصلاة، الدعاء، التأمل، الذكر، كلها ممارسات تهدف لإخراجنا من سجن "الأنا" الضيق ومخاوفها، إلى فضاء "المعية" الرحب وأمانه.

خصص وقتًا للصمت يوميًا. نحن نعيش في عصر الضجيج المستمر.

 الصمت ليس فراغًا، بل هو امتلاء. في الصمت، تعيد الروح ترتيب أوراقها المبعثرة.

في الصمت، نسمع صوت الحكمة الداخلية الذي يغيب وسط صراخ الإشعارات والطلبات.

 اجعل لك "خلوة" يومية، ولو لعشر دقائق، بلا هاتف، بلا بشر، بلا مهام.

 فقط كن مع نفسك ومع خالقك.

 هذه الدقائق هي الوقود الذي سيمكنك من مواجهة ضجيج العالم الخارجي دون أن تفقد اتزانك.

العودةُ إلى الفطرة.. حيثُ يُولد السلام

في رحلتنا هذه، ندرك أن البحث عن السلام ليس رحلةً نحو المجهول، بل هو رحلةُ "إياب" إلى الأصل.

 فنحن لم نُخلق قلقين ولا متوترين؛

بل خُلقنا على فطرةٍ صافية، كالماء الزلال، ثم كدّرناها بغبار التوقعات وأثقال التعلق بما لا يدوم.

إن السلام الداخلي ليس سلعةً تُستورد من الخارج، ولا إنجازاً يُضاف إلى سيرتك الذاتية؛

 إنه قرارٌ شجاعٌ بخلع رداء "الضحية" وارتداء رداء "الرضا".

 هو أن تدرك بقلبك، لا بعقلك فقط، أن العالم الخارجي بعواصفه وضجيجه لا يملك سلطانًا على سكينتك إلا بالمقدار الذي تسمح به أنت.

فلتكن ثورتك الحقيقية هي ثورة الهدوء في وجه الصخب، وثورة اليقين في وجه القلق.

تذكر دائماً أنك لست مجرد ورقة في مهب الريح، بل أنت صاحبُ الدفة.

 قد لا تملك القدرة على إسكات الرياح، لكنك تملك الخيار في ضبط شراعك.

اقرأ ايضا: لماذا يظل بعض الناس هادئين بينما ينهار غيرهم تحت الضغط؟

اجعل من "التسليم" لله سلاحك الأقوى، ومن "القبول" درعك الحصين.

 حينها فقط، لن يكون السلام مجرد حالة عابرة تزورك في لحظات الصفاء، بل سيصبح "وطناً" تحمله معك أينما ذهبت، فتكون أنت السكينة لمن حولك، والنور الذي يهتدي به التائهون في ظلمات القلق.

هذا هو الإرث الحقيقي، وتلك هي الحياة الطيبة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال